عوامل نجاح الفتوحات الإسلامية ( بحث مختصر)


أحمد الشجاع - عودة ودعوة

 

للنصر أو الفوز شروط وصفات متلازمة وملازمة في كل مجالات المواجهة والتنافس، وتشمل الجوانب المعنوية والمادية.

ومعرفة الشروط وصفات النصر تكون من خلال منهج سليم صحيح يلتزم به المؤمنون، وكذلك من خلال التجارب الشخصية والنظر في تجارب الآخرين.

وهذا ما يمتاز به المسلمون عن الآخرين؛ حيث المنهج الرباني الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ثم التاريخ العظيم لمسيرة النصر الإسلامي التي قام بها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، واتصفوا بكل صفات العزة والقوة والتزموا بشروط النصر ديناً ودنيا.

ثم – من جهة مضادة – للمسلمين تاريخ مهين وفاشل أوقعوا أنفسهم فيه بعد أن تراجعوا وتركوا ما كان عليه أسلافهم العظماء؛ فاستحقوا كل أنواع البلاء الذي ما زلنا نعاني منه إلى الآن (وما أصابتكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم).

وللنظر في بعض دروس التاريخ في هذا الجانب سوف أختار معركة القادسية وهي معركة عظيمة انتصر فيها المسلمون على أعدائهم بعد أن توفرت فيهم كل الشروط والصفات الدينية والدنيوية التي مكنتهم من حسم الأمر لصالح الإسلام وفتحت طريق نشره نحو المشرق كما هو حال معركة اليرموك في بلاد الشام التي مهدت لنشر الإسلام غرباً.

وسوف أركز هنا على عوامل النصر دون الدخول في وقائع ومجريات المعركة، وكيف كانت أحوال الجيش الذي توجه لتلك المعركة وعلاقته بدينه، وكيف كان ينظر المسلمون إلى الحرب وأهدافها.. وأبدأ الحديث عن الفتوحات الإسلامية وبعض أهدافها وأسبابها.

لماذا الفتوحات الإسلامية؟

وصفت الموسوعة العربية الفتوحات الإسلامية بأنها "حركة نشر الإسلام عن طريق الدعوة والقدوة أو عن طريق القتال لمن صدَّ وأبى وأظهر العداوة. ويقصد بها أيضاً افتتاح دار الحرب، والانتصار على محاربيها..".

كان من أهداف هذه الفتوحات حماية الدعوة من عدوان خصومها، سواء أكانوا من عرب الجزيرة نفسها، أم من خارجها كالفرس والروم.

وكانت الفتوح الإسلامية في بدايتها حرباً دفاعية، حارب رسول الله – صلى الله عليه وسلم - فيها كفار قريش؛ لأنهم رفضوا أن يتركوا له ولأصحابه حرية العبادة والدعوة، واعتدوا عليه وعلى أصحابه بشتى أنواع الاعتداء والتعذيب حتى استشهد عدد منهم تحت التعذيب، وتآمروا على قتل الرسول ليلة الهجرة إلى المدينة.

ثم كانت بعد ذلك حروب الردة في عهد الخليفة الأول - أبي بكر الصديق رضي الله عنه - والتي لم تكن إلا دفاعاً عن كيان الدولة الإسلامية الذي هدده المرتدون.

ثم جاءت بعد ذلك حروب فارس والروم، التي ترجع أسبابها إلى مبادرة هؤلاء القوم بإيذاء المسلمين، وتمثل ذلك في عدة وقائع وأحداث تاريخية، ومثال ذلك تهديد كسرى للرسول – صلى الله عليه وسلم - عندما مزَّق الرسالة التي بعث بها إليه الرسول – صلى الله عليه وسلم- يدعوه فيها إلى الإسلام، وأعان المرتدين في شرقي الدولة الإسلامية الناشئة، وحمى الفارين منهم من وجه الجيوش الإسلامية إلى سواد العراق، وألَّب الفرس والروم القبائل العربية المتاخمة لحدودهم على المسلمين. ولذا نرى هذه القبائل (المناذرة والغساسنة) تحارب جنباً إلى جنب مع الفرس والروم ضد المسلمين العرب.

وأمر هرقل ـ ملك الروم ـ بقتل كل من أسلم من أهل الشام، وافتتح هجومه على الإسلام بقتل فروة بن عمرو الجذامي، عامل الروم على مَعَان (في الأردن حالياً) لاعتناقه الإسلام ومراسلته لرسول الله. ومضى يُعد عدته لمجابهة دولة الإسلام بالمدينة.

وكانت موقعة ذات السلاسل نتيجة لاعتداء جماعة من الفرس على بعثة نبوية يرأسها عمرو بن العاص رضي الله عنه.

ولم تكن سرية مؤتة إلا بسبب ما علمه رسول الله من تجمعات العدو الرومي وعَزْمه على غزو المدينة عاصمة الدولة الإسلامية.

وكذلك كان من أسباب غزوة تبوك أن هرقل جمع جموعاً من الروم وقبائل العرب الموالية له، فعزم على قتالهم.

وجُهَّز جيش أسامة - قُبيل وفاة النبي - لرد عدوان الروم وتأمين الحدود الشمالية للجزيرة العربية. وأصر أبو بكر على إنفاذ هذا الجيش بعد وفاة الرسول، وشارك العرب الذين يقعون تحت نفوذ الروم في الاعتداء على المسلمين.

توخَّت تلك الفتوحات أيضاً تخليص الشعوب من طغاتها الظالمين ومن أوضاعها الدينية والاجتماعية السيئة. وقضت على الحق الذي كان يزعمه الملوك والرؤساء لأنفسهم من أن مشيئتهم هي مشيئة الله وأن الخضوع لهم خضوع لله.

أرادت الأمة الإسلامية أن تنقل مُثُلَها العليا إلى الشعوب المضطهدة، تلك المُثل التي نلمحها في قول واحد من عامة الناس لعمر بن الخطاب وعلى ملأ من الناس: "والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقَّومناه بسيوفنا"• وقيل مثل هذا لأبي بكر من قبل. وقال آخر لعمر: "لا نسمع ولا نطيع"؛ وذلك حين رأى عليه ثوباً لم يعلم مصدره، بل ظن أنه من مال الدولة، ولم يترفع عمر عن بيان مصدر ثوبه الثاني.

ولو كان حكام المسلمين مثل حكام الروم لما أمر عمر بأن يقتصّ ابن قبطي مصري من ولد واليه على مصر ـ عَمْرو بن العاص ـ وفي ملأ من الناس، وطلب من الغلام القبطي المظلوم أن يضرب ابن عَمْر على صلعته؛ لأن ابنه تجرأ على الظلم لمكانة والده، وخاطب عَمْرًا بكلمات خالدة: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً؟"..

ويعترف المستشرق هو توماس آرنولد - في كتابه (الدعوة إلى الإسلام) – حسب ما أوردته الموسوعة العربية - بأن القبائل النصرانية اعتنقت الإسلام عن اختيار وإرادة حرة، ويذكر أن النصارى كتبوا إلى المسلمين العرب يقولون لهم: "يا معشر المسلمين أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا، أنتم أرأف بنا وآنف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا".

لقد كانت الفتوحات الإسلامية حروباً أخلاقية تقيدت بمبادئ الحق والعدالة والرحمة مع المغلوبين والمحاربين. وتمثل شيء من ذلك في عمر بن عبد العزيز فإنه حين وُلِّيَ الخلافة، وفد عليه قوم من أهل سمرقند فرفعوا إليه أن قتيبة ابن مسلم دخل مدينتهم وأسكنها المسلمين بغير حق، فكتب عمر إلى عامله بأن ينصِّب لهم قاضياً ينظر فيما ذكروا، فإن قضى بإخراج المسلمين، أخرجوا، فنصَّب لهم جميع بن حاضر الباجي قاضياً، فحكم بإخراج المسلمين، على أن ينذرهم قائد الجيش الإسلامي بعد ذلك، وينابذهم وفقًاً لمبادئ الحرب في الإسلام. ولكن أهل سمرقند كرهوا الحرب، وأقروا المسلمين للإقامة بين أظهرهم.

ولم يستغل الفاتحون سلطانهم لقهر الأمم التي غلبوها. وعندما رأى أهل الذمة وفاء المسلمين بعهودهم معهم وحسن سيرتهم فيهم، أصبحوا عيوناً للمسلمين على أعدائه.

واعترفوا بالفارق بين الحضارتين الإسلامية والرومية عندما أمر أبو عبيدة برد الجزية التي أخذها من أهل حمص حين أيقن بعجزه عن حمايتهم من الروم.

ويقول المستشرق روبنسون: "إن أتباع محمد وحدهم هم الذين جمعوا بين معاملة الأجانب بالحسنى، وبين محبتهم لنشر دينهم، وكان من أثر هذه المعاملة الحسنة أن انتشر الإسلام بسرعة، وعلا قدر رجاله الفاتحين بين الأمم المغلوبة، وأدت هذه المعاملة إلى انحسار ظل النصرانية عن شمالي إفريقيا".

ويقول دوابر: "إن العرب عاملوا اليهود في الأندلس أحسن معاملة. وعندما طرد النصارى العرب من الأندلس لم يطيقوا إبقاء اليهود، فدبروا لهم تهماً، وأحرقوا عشرة آلاف يهودي في مدى عشر سنوات. واعترف البطريرك النسطوري إبشوياف الثالث إلى سيمون أسقف آردشير، بأن العرب لم يهاجموا العقيدة النصرانية، وأنهم يعطفون على دينهم، ويكرمون قِدِّيسيهم، ويساعدون الكنائس والأديرة".

كما كانت الفتوحات الإسلامية أيضاً حروباً تهدف إلى نشر الدين الإسلامي بالحسنى، ومن منطلق سامٍ، بعيداً عن الماديات، وذلك بدلالة ما وقع في أحداث الفتح الإسلامي من قضايا التّعفّف عند الغنيمة وأداء الأمانات والإخلاص لله ما يعجز التاريخ البشري عن إبراز نظائره.

ودخل الفاروق عمر ذات يوم على أبي عبيدة – فاتح الشام - فلم ير في منزله إلا لبَداً (حشايا من شعر أو صوف) وإناء وقربة ماء بالية، وسأله طعاماً، فأخرج له من سلة منشأة بالجلْد صغيرة كُسَيْرات، فبكى عمر وقال: "غيرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة"• والذي يقف على سيرة عمر في الزهد يعرف دلالة عبارته لأبي عبيدة.

وأرسل إليه عمر أربعمائة دينار، وسأل من أرسله أن يقف على ما يفعل بها، فجاءه الخبر بأنه وزعها كلها على المحتاجين، وأرسل مثلها إلى معاذ بن جبل - رضي الله عنه - فوزَّعها إلا القليل منها، أعطاه زوجته لحاجتها. فقال عمر لما أخبر بهذا: "الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا".

وعندما أرسل المقوقس ـ حاكم مصر ـ بعض رجاله ليتعرفوا له على أحوال الجيش الإسلامي الذي يحاصر حصن بابليون بمصر، عادوا ليقولوا له: "رأينا قوماً الموت أحب إليهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرِّفْعة.. ليس لأحد منهم في الدنيا رغبة ولا نهمة. جلوسهم على التراب، وأميرهم كواحد منهم، ما يُعرف كبيرهم من صغيرهم، ولا السيد فيهم من العبد"•

بهرت مثل هذه المواقف والأحوال بعض المنصفين من المستشرقين، بل يقول بعض متعصّبيهم لغير الإسلام، وهو ستانلي - في كتابه (العرب في أسبانيا)-: "إنَّ تحمس العرب للفتوح كان يؤجِّجه عنصر قوي من الرغبة في نشر الدين".

معركة القادسية (سنة 14هـ)

لما علم الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن الفرس يعدون العدة ويتجمعون لاستئصال القوة القليلة من المسلمين المتبقية في العراق أمر بالتجنيد الإجباري؛ لأن الحالة تقتضي ذلك. ولذلك أمر المثنى أن ينظر فيما حوله من القبائل ممن يصلح للقتال ويقدر عليه فيأتي به طائعاً أو غير طائع وهذا هو التجنيد الإجباري الذي رآه عمر، وكان أول من عمل به في الإسلام. وأرسل الفاروق إلى عماله أن لا يدعوا أحداً له سلاح أو فرس أو نجدة أو رأي إلا أرسلوه إليه، يأمرهم بالتجنيد الإجباري ويطلب منهم أن يرسلوا المجندين الجدد إليه ليرسلهم إلى العراق.

ويقول الدكتور علي الصلابي إن الموقف في بلاد فارس قد تغير مع مجيء يزدجرد للحكم، فقد أصبح موقف الفرس كالتالي:

- استقرار داخلي تمثل في تنصيب يزدجرد واجتماعهم عليه، واطمأنت فارس واستوثقوا، وتبارى الرؤساء في طاعته ومعونته.

- تجنيد عام شمل كل ما استطاع الفرس أن يجندوه، وتوزيع الفرق في كل أنحاء الأرض التي فتحها المسلمون.

- وأخيراً إثارة السكان وتأليبهم على المسلمين، حتى نقضوا عهدهم وكفروا بذمتهم وثاروا عليهم.

كما تغير موقف المسلمين وأصبح كالتالي:

- الانسحاب: خروج المثنى والقواد الآخرين من الأرض التي فتحوها من بين ظهراني العجم.

- التراجع والتفرق في المياه التي تلي الأعاجم على حدود الأرض العربية والأرض الفارسية، وقد نزل المثنى في ذي قار، ونزل الناس الطَّف؛ فشكلوا في العراق مسالح ينظر بعضهم إلى بعض ويغيث بعضهم بعضاً عند الحاجة.

- مقابلة التجنيد الإجباري عند الفرس بالتجنيد الإجباري لدى المسلمين.

تأمير سعد بن أبي وقاص على العراق

هذه هي المرحلة الثالثة في فتوحات العراق وتبدأ بتأمير سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - على الجهاد في العراق سنة 14هـ، فقد استهلت هذه السنة وعمر - رضي الله عنه - يحث الناس ويحرضهم على جهاد الفرس، وركب - رضي الله عنه - أول يوم من المحرم في هذه السنة في الجيوش من المدينة فنزل على ماء يقال له صِرَار فعسكر به عازماً على غزو العراق بنفسه واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب، واستصحب معه عثمان بن عفان وسادات الصحابة. ثم عقد مجلساً لاستشارة الصحابة فيما عزم عليه ونودي الصلاة جامعة، وقد أرسل إلى علي فقدم من المدينة، ثم استشارهم فكلهم وافقوه على الذهاب إلى العراق إلا عبد الرحمن بن عوف فإنه قال له: "إني أخشى إن كُسِرتَ أن يَضْعف المسلمون في سائر أقطار الأرض، وإني أرى أن تبعث رجلاً وترجع أنت إلى المدينة فاستصوب عمر والناس عند ذلك رأي ابن عوف".

فقال عمر: "فمن ترى أن نبعث إلى العراق؟"، فقال: "قد وجدته"، قال: "ومن هو؟"، قال: "الأسد في براثنه، سعد بن مالك الزهري"، فاستجاد قوله وأرسل إلى سعداً.

لما قدم سعد إلى المدينة أمّره عمر على حرب العراق وقال له: "يا سعد.. لا يغرنّك من الله أن قيل خال رسول الله، وصاحب رسول الله؛ فإن الله عز وجل لا يمحو السيء بالسيء ولكنه يمحو السيء بالحسن، فإن الله تعالى ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم، وهم عباده يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عنده بالطاعة، فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله منذ بُعث إلى أن فارقنا فالزمْه فإنه الأمر، هذه عظتي إياك إن تركتها ورغبت عنها كنت من الخاسرين".

وعلق الصلابي على هذه الوصية بقوله: إنها لموعظة بليغة من خليفة راشد عظيم، فقد أدرك عمر - رضي الله عنه - جانب الضعف الذي يمكن أن يؤتى سعد من قِبله وهو أن يُدلي بقرابته من النبي؛ فيحمله ذلك على شيء من الترفع على المسلمين، عن المبدأ الإسلامي العام الذي يعتبر مقياساً لكرامة المسلم في هذه الحياة، حيث قال: الله ربهم وهم عباده يتفاضلون بالعافية ويدركون ما عنده بالطاعة. فقوله: يتفاضلون بالعافية، يعني بالشفاء من أمراض النفوس فكأنه يقول يتفاضلون بالبعد عن المعاصي والإقبال على طاعة الله تعالى. وهذه هي التقوى التي جعلها الله سبحانه ميزاناً للكرامة بقوله:(إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات:13]، وهو ميزان عادل رحيم بإمكان كل مسلم بلوغه إذا جَدَّ في طلب رضوان الله تعالى والسعادة الأخروية.

ثم ذكره عمر في آخر الموعظة بلزوم الأمر الذي كان عليه رسول الله، وهذا يشمل الالتزام بالدين كله وتطبيقه على الناس.

ثم إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أوصى سعد بن أبي وقاص مرة أخرى لما أراد أن يبعثه بقوله: "إني قد وليتك حرب العراق فاحفظ وصيتي، فإنك تقدم على أمر شديد كريه لا يُخلِّص منه إلا الحق، فعوِّد نفسك ومن معك الخير، واستفتح به، واعلم أن لكل عادة عتاداً، فعتاد الخير الصبر، فالصبر على ما أصابك أو نابك تجتمع لك خشية الله، واعلم أن خشية الله تجتمع في أمرين: في طاعته واجتناب معصيته، وإنما أطاعه من أطاعه ببغض الدنيا وحب الآخرة، وعصاه من عصاه بحب الدنيا وبغض الآخرة، وللقلوب حقائق ينشؤها الله إنشاء، منها السر ومنها العلانية، فأما العلانية فأن يكون حامده وذامّه في الحق سواء، وأما السر فيُعرف بظهور الحكمة من قلبه على لسانه، وبمحبة الناس، فلا تزهد في التحبب فإن النبيين قد سألوا محبتهم، وإن الله إذا أحب عبداً حبَّبه، وإذا أبغض عبداً بغَّضه، فاعتبر منزلتك عند الله تعالى بمنزلتك عند الناس، ممن يشرع معك في أمرك".

خطبة عمر رضي الله عنه

وسار سعد إلى العراق ومعه أربعة آلاف مجاهد، وقيل في ستة آلاف، وشيعهم عمر من صرار إلى الأعوص، ثم قام في الناس خطيباً فقال: "إن الله تعالى إنما ضرب لكم الأمثال، وصرّف لكم القول ليحيي به القلوب فإن القلوب ميتة في صدورها حتى يحييها الله، من علم شيئاً فلينتفع به. وإن للعدل أمارات وتباشير، فأما الأمارات فالحياء والسخاء والهَيْن واللَّيْن، وأما التباشير فالرحمة. وقد جعل الله لكل أمر باباً، ويسَّر لكل باب مفتاحاً، فباب العدل الاعتبار ومفتاحه الزهد، والاعتبار ذكر الموت بتذكر الأموات، والاستعداد له، بتقديم الأعمال، والزهد أخذ الحق من كل أحد قِبَلَه حق، وتأدية الحق إلى كل أحد له حق، ولا تصانع في ذلك أحداً، واكتف بما يكفيك من الكفاف، فإن من لم يكفه الكفاف لم يغنه شيء. وإني بينكم وبين الله وليس بيني وبينه أحد، وإن الله قد ألزمني دفع الدعاء عنه، فأنهُوا شكاتكم إلينا، فمن لم يستطع فإلى من يُبلِّغناها نأخذ له الحق غير مُتَعْتَع".

وسار سعد بجيشه حتى نزل بمكان يقال له (زَرُود) من بلاد نجد وأمدّه أمير المؤمنين بأربعة آلاف، واستطاع سعد أن يحشد سبعة آلاف آخرين من بلاد نجد، وكان المثنى بن حارثة الشيباني ينتظره في العراق ومعه اثنا عشر ألفاً.

وأقام سعد بزرود استعداداً للمعركة الفاصلة مع الفرس وانتظاراً لأمر أمير المؤمنين، وقد كان عمر عظيم الاهتمام بهذه المعركة فلم يدع رئيساً ولا ذا رأي ولا ذا شرف ولا ذا سلطة ولا خطيباً ولا شاعراً إلا رماهم به، فرماهم بوجوه الناس.

وبينما كان سعد مقيماً بجيشه في زرود مرض المثنى مرضاً خطيراً، يقول الرواة: إن الجراحة التي جرحها يوم الجسر انتقضت عليه، واستشعر دنو أجله واشتد وجعه واستخلف على من معه بشير بن الخصاصية، وطلب المثنى أخاه المعنى وأفضى إليه بوصيته وأمره أن يعجل به إلى سعد، ثم أسلم المثنى الروح إلى بارئها..

وقد جاء في وصيته لسعد: "أن لا يقاتل عدوه وعدوهم إذا استجمع أمرهم وملؤهم في عقر دارهم، وأن يقاتلهم على حدود أرضهم على أدنى حجر من أرض العرب وأدنى مردة من أرض العجم، فإن يظهر الله المسلمين عليهم فلهم ما وراءهم، وإن تكن الأخرى فأووا إلى فئة، ثم يكونون أعلم بسبيلهم، وأجرأ على أرضهم، إلى أن يرد الله الكرة عليهم".

ولما انتهى إلى سعد رأيُ المثنى ووصيته ترَّحم عليه وأمّر المعنى بن حارثة على عمله، وأوصى بأهل بيته خيراً، ومما يلفت النظر في هذا الخبر أن المثنى قد أوصى بزوجته سلمى بنت خصفة التيمية إلى سعد بن أبي وقاص، وحملها معه المعنى، ثم خطبها سعد بعد انتهاء عدتها وتزوجها. فهل أراد المثنى أن يَبَّر زوجته بعد رحيله بضمها إلى بطل عظيم من أبطال الإسلام شهد له رسول الله بالجنة؟، إنه نوع من الوفاء نادر المثال. أم أنها كانت ذكية وعاقلة وقد تكون لديها خبرة من حروب زوجها، فأراد أن ينتفع المسلمون بها؟. كل ذلك محتمل، وهو غيض من فيض مما تحلى به ذلك الجيل الراشد من الفضائل.

وصية عظيمة

جاء الأمر من عمر أمير المؤمنين إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما بالرحيل من (زرود) إلى العراق استعداداً لخوض المعركة الفاصلة مع الفرس وأوصاه بالوصية التالية:

"أما بعد فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله عز وجل أفضل العدة على العدو، وأقوى العدة في الحرب وآمرك ومن معك أن تكونوا أشدَّ احتراساً من المعاصي منكم من عدوكم فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة؛ لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عُدَّتنا كعدتهم، فإذا استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإن لا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا. واعلموا أن عليكم في سيركم حفظة من الله يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله ولا تقولوا إن عدونا شر منَّا ولن يسلط علينا وإن أسأنا، فرُبَّ قوم سلط عليهم شرٌّ منهم كما سلط على بني إسرائيل - لما عملوا بمساخط الله - كفرة المجوس، فجاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولا. اسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، أسأل الله ذلك لنا ولكم. وترفق بالمسلمين في مسيرهم، ولا تجشِّمهم مسيراً يتعبهم ولا تقصر بهم عن منزل يرفق بهم حتى يبلغوا عدوهم، والسفر لم ينقص قوتهم، فإنهم سائرون إلى عدو مقيم، جامِّ الأنفس والكراع. وأقم بمن معك كل جمعة يوماً وليلة حتى تكون لهم راحة، يجمعون فيها أنفسهم، ويرمون أسلحتهم وأمتعتهم. ونحَّ منازلهم عن قرى أهل الصلح والذمة، فلا يدخلنها من أصحابك إلا من تثق بدينه، ولا ترزأ أحداً من أهلها شيئاً فإن لهم حرمة وذمة ابتليتم بالوفاء بها، كما ابتلوا بالصبر عليها، فما صبروا لكم فوفوا لهم، ولا تنتصروا على أهل الحرب بظلم أهل الصلح. وإذا وطئت أدنى أرض العدو فأذك العيون بينك وبينهم، ولا يخف عليك أمرهم. وليكن عندك من العرب أو من أهل الأرض من تطمئن إلى نصحه وصدقه، فإن الكذوب لا ينفعك خبره وإن صدق في بعض، والغاش عين عليك وليس عيناً لك. وليكن منك عند دنوك من أرض العدو أن تكثر الطلائع، وتبثّ السرايا بينك وبينهم، فتقطع السرايا أمدادهم ومرافقهم، وتتبع الطلائع عورتهم. وانتق الطلائع أهل الرأي والبأس من أصحابك، وتخير لهم سوابق الخيل، فإن لقوا عدوا كان أول من تلقاهم القوة من رأيك، واجعل أمر السرايا إلى أهل الجهاد، والصبر على الجلاد. ولا تخص أحداً بهوى؛ فيضيع من رأيك وأمرك أكثر مما حابيت به أهل خاصتك، ولا تبعث طليعة ولا سرية في وجه تتخوف فيه ضيعة ونكاية. فإذا عاينت العدو فاضمم إليك أقاصيك وطلائعك وسراياك، واجمع إليك مكيدتك وقوتك، ثم لا تعاجلهم المناجزة ما لم يستكرهك قتال، حتى تبصر عورة عدوك ومقاتله، وتعرف الأرض كلها كمعرفة أهلها، فتصنع بعدوك كصنيعته بك. ثم أذك حراسك على عسكرك، وتحفظ من البيات جهدك، ولا تؤتى بأسير ليس له عهد إلا ضربت عنقه لترهب بذلك عدوك وعدو الله. والله ولي أمرك ومن معك وولي النصر لكم على عدوكم، والله المستعان".

الاستعانة بمن تاب من المرتدين

لم يستعن أبو بكر الصديق رضي الله عنه - في حروب الردة ولا في حركة الفتوحات - بمرتد، وأما عمر رضي الله عنه فقد استنفرهم بعد أن تابوا وصلح حالهم وأخذوا قسطاً من التربية الإسلامية إلا أنه لم يول منهم أحداً. وقد جاء في رواية أنه قال لسعد بن أبي وقاص في شأن طليحة بن خويلد الأسدي وعمرو بن معدي كرب الزبيدي: "استعن بهما ولا تولينهما على مائة".

فنستفيد من سنة الخليفتين الراشدين أبي بكر وعمر، أن من ارتد عن الإسلام ثم تاب ورجع إليه فإن توبته مقبولة ويكون معصوم الدم والمال، وله ما للمسلمين وعليه ما عليهم غير أنه لا يولى شيئاً من أمور المسلمين المهمة وخاصة الأعمال القيادية، وذلك لاحتمال أن تكون توبته نفاقاً، وإذا كانت كذلك وتولى قيادة المسلمين المهمة وخاصة الأعمال القيادية، فإنه يفسد في الأرض ويقلب موازين الحياة فيقرب أمثاله من المنافقين ويبعد المؤمنين الصادقين ويحوّل المجتمع الإسلامي إلى مجتمع تسوده مظاهر الجاهلية، فكانت هذه السنة الراشدة من الخليفتين الراشدين لحماية المجتمع الإسلامي من تسلل المفسدين إلى قيادته وتوجيهه، ولعل من حكم هذه السنة أيضاً ملاحظة عقوبة المرتدين بنقيض قصدهم، الذين يرتدون من أجل الحصول على الزعامات والقيادات، إذا أظهروا التوبة، وعادوا إلى الإسلام يحرمون من هذه القيادات عقوبة لهم، وردعاً لكل من تسول له نفسه أن يخرج عن الخط الإسلامي، ويبحث عن الزعامة في معاداة الإسلام وموالاة أعدائه، حسب تعليق الصلابي.

وصل إلى سعد بن أبي وقاص كتاب من أمير المؤمنين وهو نازل في شراف على حدود العراق يأمره فيه بالمسير نحو فارس. وقد جاء في هذا الكتاب: "أما بعد فسر من شراف نحو فارس، بمن معك من المسلمين، وتوكل على الله واستعن به على أمرك كله. واعلم فيما لديك أنك تقدم على أمة عددهم كثير وعدتهم فاضلة، وبأسهم شديد، وعلى بلد منيع - وإن كان سهلاً - كؤود لبحوره وفيوضه ودأدائه، إلا أن توافقوا غيضاً من فيض. وإذا لقيتم القوم أو أحداً منهم فابدؤوهم العتيد والضرب، وإياكم والمناظرة لجموعهم (يعني الانتظار بعد المواجهة)، ولا يخدعنكم فإنهم خدعة ماكرة، أمرهم غير أمركم، إلا أن تجادوهم (يعني تأخذوهم بالجد). وإذا انتهيت إلى القادسية، فتكون مسالحك على أنقابها ويكون الناس بين الحجر والمدر، على حافات الحجر وحافات المدر، والجراع بينهما، ثم ألزم مكانك فلا تبرحه فإنهم إن أحسوك رموك بجمعهم.. فإن أنتم صبرتم لعدوكم، واحتبستم لقتاله ونويتم الأمانة رجوت أن تنصروا عليهم، ثم لا يجتمع لكم مثلهم أبداً، إلا أن يجتمعوا وليست معهم قلوبهم، وإن تكن الأخرى كان الحجر في أدباركم، فانصرفتم من أدنى مدرة من أرضهم إلى أدنى حجر من أرضكم، ثم كنتم عليها أجرأ وبها أعلم، وكانوا عنها أجبن".

وهذه الوصية في اختيار المكان الذي يستقر فيه الجيش تشبه وصية المثنى لسعد حيث اتفق رأي عمر والمثنى في اختيار المكان، وكانت تلك الوصية من المثنى نتيجة خبرة أكثر من ثلاث سنوات في حرب الفرس، وهذا دليل على براعة عمر - رضي الله عنه - في التخطيط الحربي مع أنه لم تطأ قدماه أرض العراق. وتتضمن هذه الوصية إبقاء الجيش بعيداً عن متناول الأعداء، ثم رميهم بالسرايا التي تنغص عليهم حياتهم وتثير عليهم أتباعهم حتى يتمكن المسلمون من منازلتهم في المكان الذي تم اختياره.

عم وأسباب النصر المعنوية

كتب عمر إلى سعد - رضي الله عنهما - يذكره بأسباب النصر المعنوية وهي التي تأتي في المقام الأول، وقد جاء في كتابه:

"أما بعد فتعاهد قلبك وحادث جندك بالموعظة والنية والحسبة، ومن غفل فليحدثهما والصبر الصبر، فإن المعونة تأتي من الله على قدر النية والأجر قدر الحسبة، والحذر الحذر على ما أنت عليه وما أنت بسبيله واسألوا الله العافية، وأكثروا من قول "لا حول ولا قوة إلا بالله". واكتب إليَّ أين بلغ جمعكم، ومن رأسهم الذي يلي مصادمتكم؟ فإنه قد منعني من بعض ما أردت الكتاب به قلة علمي بما هجمتم عليه، والذي استقر عليه أمر عدوكم، فصف لنا منازل المسلمين، والبلد الذي بينكم وبين المدائن صفةً كأني أنظر إليها.. وخف الله وارجه، ولا تُدِل بشيء، واعلم أن الله قد وعدكم، وتوكل لهذا الأمر بما لا خُلف له، فاحذر أن تصرفه عنك، ويستبدل بكم غيركم".

ففي هذا الكتاب يوصي عمر - رضي الله عنه - بتعاهد القلوب، فإن القلب هو المحرك لجميع أعضاء الجسم والحاكم عليها فإذا صلح صلح الجسم كله، ثم يوصيه بموعظة جنده وتذكيرهم بالإخلاص لله تعالى واحتساب الأجر عنده، ويبين أن نصر الله مترتب على ذلك، ويحذره من التفريط في المسؤولية التي تحملها وما يستقبله من الفتوح، ويذكرهم بوجوب ارتباطهم بالله تعالى وأن قوتهم من قوته ويوصي قائد المسلمين بأن يكون بين مقام الخوف من الله تعالى والرجاء لما عنده، وهو مقام عظيم من مقامات التوحيد وينهاه عن الإدلال على الله بشيء من العمل أو ثناء الناس، ويذكره بما سبق من وعد الله تعالى بانتصار الإسلام وزوال ممالك الكفر، ويحذره من التهاون في تحقيق شيء من أسباب النصر، فيتخلف النصر عنهم ليتم على يد غيرهم ممن يختارهم الله تعالى.

وكتب سعد إلى عمر - رضي الله عنهما - يصف له البلدان التي يتوقع أن تكون ميداناً للمعركة الفاصلة، إلى أن قال: "وأن جميع من صالح المسلمين من أهل السواد قبلي (إلب) لأهل فارس قد خضعوا لهم واستعدوا لنا، وإن الذي أعدوا لمصادمتنا رستم في أمثال له منهم، فهم يحاولون إنغاضنا وإقحامنا، ونحن نحاول إنغاضهم وإبرازهم، وأمر الله بعدُ ماضٍ، وقضاؤه مسلّم إلى ما قدر لنا وعلينا، فنسأل الله خير القضاء وخير القدر في عافية".

فكتب إليه عمر: "قد جاءني كتابك وفهمته، فأقم بمكانك حتى ينغض الله لك عدوك، واعلم أن لها ما بعدها، فإن منحك الله أدبارهم فلا تنزع حتى تقحم عليهم المدائن فإنه خرابها إن شاء الله". ومن خلال رسالة عمر يتبين أنه اتخذ القرار المناسب وهو:

- أن يثبت سعد في مواقعه فلا يبارحها.

- أن لا يبادر العدو بالقتال بل يترك له أمر هذه المبادرة.

- أن يعمد إلى استثمار النصر ويطارد العدو حتى المدائن، فيفتحها عليه.

ومع الأخذ بالأسباب المادية التي لا بد منها في إحراز النصر لم يترك الفاروق الجوانب المعنوية وشن حرب نفسية على الخصوم في عقر دراهم، وعز ملكهم، وقوة سطوتهم، فأرسل إلى سعد: "إني ألقي في روعي أنكم إذا لقيتم العدو غلبتموهم، فمتى لاعب أحد منكم أحداً من العجم بأمان وإشارة أو لسان كان عندهم أماناً، فأجروا له ذلك مجرى الأمان والوفاء فإن الخطأ بالوفاء بقية، وإن الخطأ بالغدر هلكة، وفيها وهنكم وقوة عدوكم".

حسن اختيار الوفود

وقال عمر لسعد في رسائله: "لا يكربنك ما يأتيك عنهم ولا ما يأتونك به واستعن بالله، وتوكل عليه وابعث إليه رجالاً من أهل النظر والرأي والجلد يدعونه إلى الله فإن الله جاعل دعاءهم توهيناً لهم وفلجاً عليهم".

وطلب الفاروق من سعد أن يكتب له كل يوم، وشرع في جمع رجال من أهل النظر والرأي والجلد.. واختار سعد نفراً عليهم مهابة ولهم منظر لأجسامهم ولهم آراء نافذة.

وكانوا أربعة عشر داعية بعثهم سعد دعاةً إلى ملك الفرس بأمر عمر وهم من سادات القوم كما أرادهم عمر رضي الله عنه، كي يستطيعوا دعوة يزدجرد بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، ولعل الله يهديه هو وجنده للإيمان وتحقن دماء الطرفين.

لقد كان هذا الوفد المنتقى على درجة عالية من الكفاية والقدرة لما أوفد له، فالإضافة إلى ما يتمتعون به من جسامة وقوة ومهابة وحسن رأي، فلهم أيضاً سبق معرفة بالفرس، فقد كان منهم من عاركهم وعركهم ومارس معهم الحروب في حملات سابقة، ومنهم من وفد في الجاهلية على ملوك الفرس، ومنهم من يعرف اللغة الفارسية، فكأن سعد اختارهم لهذه الوفادة بعد أن اجتاز كل منهم كشفاً فنياً من حيث كفاءته وحسن رأيه، وكشفاً طبياً من حيث قوته وضعفه وكشف هيئة من حيث لياقته وجسامته. لقد كان الوفد يتمتع بميزتي الرغبة والرهبة التي تتوفر في جسامتهم ومهابتم وجلدهم وشدة ذكائهم.

وتحرك هذا الوفد الميمون بقيادة النعمان بن مقرن، فوصلوا المدائن وأُدخلوا على ملك الفرس يزدجرد، فسألهم: "ما جاء بكم ودعاكم إلى غزونا والولوغ ببلادنا؟، أمن أجل أنا تشاغلنا عنكم اجترأتم علينا؟".

فتكلم عنهم النعمان بن مقرن، فقال: "إن الله رحمنا، فأرسل إلينا رسولاً يأمرنا بالخير وينهانا عن الشر، ووعدنا على إجابته خيري الدنيا والآخرة، فلم يدع قبيلة قاربه منها فرقة، وتباعد عنه منها فرقة، ثم أمر أن نبتدئ بمن خالفه من العرب، فبدأنا بهم، فدخلوا معه على وجهين مكره عليه فاغتبط، وطائع فازداد، فعرفنا جميعاً فضل ما جاء به على الذي كنا عليه من العداوة والضيق ثم أمر أن نبتدئ بمن جاورنا من الأمم، فندعوهم إلى الإنصاف. فنحن ندعوكم إلى ديننا، وهو دين حَسن الحسن، وقَبح القبيح كله، فإن أبيتم فأمر من الشر أهون من آخر شر منه: الجزية، فإن أبيتم فالمناجزة، فإن أجبتم إلى ديننا خلفنا فيكم كتاب الله، وأقمنا على أن تحكموا بأحكامه، ونرجع عنكم وشأنكم وبلادكم، وإن بذلتم الجزاء قبلنا منكم ومنعناكم وإلا قاتلناكم".

فقال ملك الفرس يزدجرد: "إني لا أعلم أمة في الأرض كانت أشقى ولا أقل عدداً ولا أسوأ ذات بين منكم، فقد كنا نوكل لكم قرى الضواحي فيكفونا أمركم، ولا تطمعون أن تقوموا لفارس. فإن كان غرور لحقكم فلا يغرنكم منا، وإن كان الجهد، فرضنا لكم قوتاً إلى خصبكم، وأكرمنا وجوهكم، وكسوناكم وملكنا عليكم ملكاً يرفق بكم".

فقام المغيرة بن زرارة، فقال: "أما ما ذكرت من سوء الحال فكما وصفت وأشد"، وذكر من سوء عيش العرب ورحمة الله بهم بإرسال النبي? مثل مقالة النعمان.. ثم قال: "اختر إما الجزية عن يدٍ وأنت صاغر، أو السيف، وإلا فنج نفسك بالإسلام".

فقال يزدجرد: "لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شيء لكم عندي".. ثم استدعى بوِقرٍ من تراب، وقال لقومه: "احملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من باب المدائن".

وقال الملك: "من أشرفكم؟"، فسكت القوم، فقال عاصم بن عمرو: "أنا أشرفهم أنا سيد هؤلاء فحمّلنيه".

قال: "أكذلك؟"، قالوا:" نعم". فحمله على عنقه فخرج به من الإيوان حتى أتى راحلته فحمله عليها. فقال له أصحابه: "حملت تراباً؟"، قال: "نعم الفأل قد أمكنكم الله من أرضهم".

فلم يزل معه حتى قدم به على سعد فاخبره الخبر، فقال سعد: "أبشروا فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم".

واشتد على جلساء الملك ما صنع وما صنع المسلمون من قبول التراب، وقدم رستم من ساباط إلى الملك يسأله عما كان من أمره وأمرهم وكيف رآهم. فقال الملك: "ما كنت أرى أن في العرب مثل رجال رأيتهم دخلوا علي، والله ما أنتم بأعقل منهم ولا أحسن جواباً". واخبره بكلام متكلمهم، وقال: "لقد صدقني القوم لقد وُعدوا أمراً ليدركنه أو ليموتن عليه، على أني وجدت أفضلهم أحمقهم لما ذكروا الجزية أعطيته تراباً يحمله على رأسه فخرج به، ولو شاء اتقى بغيره وأنا لا أعلم".

قال رستم: "أيها الملك أخذَ الترابَ أعقلُهم، وما أخذه إلا تطيراً، وأبصرها دون أصحابه".

وخرج رستم من عنده كئيباً غضبان، فبعث في أثر الوفد، وقال: "إن أدركتموهم تلافينا أرضنا، وإن أعجزوكم سلبكم الله أرضكم"، فرجع إليه فأعلمه بفواتهم. فقال: "ذهب القوم بأرضكم غير ذي شك..".

وأغار سواد بن مالك التميمي - بعد مسير الوفد إلى يزدجرد - على النجاف والفراض، فاستقا ثلاثمائة دابة من بين بغل وحمار وثور وأوقرها سمكاً، وصبح العسكر، فقسمه سعد بين الناس، وهذا يوم الحيتان، وكانت السرايا تسري لطلب اللحوم، فإن الطعام كان كثيراً عندهم، فكانوا يسمون الأيام بها: يوم الأباقر ويوم الحيتان. وبعث سعد سرية أخرى فأغاروا فأصابوا إبلاً لبني تغلب والنمر واستاقوها ومن فيها، فنحر سعد الإبل وقسمها في الناس فأخصبوا. وأغار عمرو بن الحارث على النهرين فاستاق مواشي كثيرة.

تحرك الفرس

ثم إن رستم خرج بجيشه الهائل - مائة ألف أو يزيدون - من ساباط، فلما مر على كوش (قرية بين المدائن وبابل) لقيه رجل من العرب فقال له رستم: "ما جاء بكم، وماذا تطلبون منا؟"، قال: "جئنا نطلب موعود الله بملك أرضكم وأبنائكم إن أبيتم أن تسلموا"، قال رستم: "قد وضعنا إذا في أيديكم"، قال العربي: "أعمالكم وضعتكم، فأسلمكم الله بها، فلا يغرنك ما ترى حولك، فإنك لست تجادل الإنس وإنما تجادل القدر".

فغضب منه رستم وقتله. فلما مرّ بجيشه على البرس (قرية بين الكوفة والحلة) غصبوا أبناء أهله وأموالهم، وشربوا الخمور، ووقعوا على النساء، فشكى أهل البرس إلى رستم، فقال لقومه: "والله لقد صدق العربي، والله ما أسلمنا إلا أعمالنا، والله إن العرب مع هؤلاء وهم أحسن سيرة منكم".

ولما علم سعد خبر رستم أرسل عمرو بن معد يكرب الزبيدي وطليحة بن خوليد الأسدي يستكشفان خبر الجيش مع عشرة رجال، فلم يسيروا إلا قليلاً حتى رأوا سرح العدو منتشراً على الطفوف، فرجعوا إلا طليحة، فإنه ظل سائراً حتى دخل جيش العدو وعلم ما فيه، فرجع إلى سعد وأخبره خبره.

وسار رستم بجيشه من الحيرة حتى نزل القادسية على العتيق - جسر القادسية - أمام عسكر المسلمين، يحول بينهم النهر، ومع الفرس ثلاثة وثلاثون فيلاً، ولما نزل أرسل إلى سعد: "أن ابعث إلينا رجلاً نكلمه".

فأرسل إليه ربعيَّ بن عامر فجاءه وقد جلس على سرير من ذهب، وبُسُط النمارق والوسائد منسوجة بالذهب، فأقبل ربعيُّ على فرسه، وسيفه في خِرْقة، ورمحه مشدود بعِصَب، فلما انتهى إلى البساط وطأه بفرسه، ثم نزل وربطها بوسادتين شقهما، وجعل الحبل فيهما، ثم أخذ عباءة بعيره فاشتملها، فأشاروا عليه بوضع سلاحه؛ فقال: "إني لم آتكم فأضع سلاحي بأمركم، أنتم دعوتموني فإن أحببتم أن آتيكم كما أريد وإلا رجعت"، فأخبروا رستم، فقال: "ائذنوا له، هل هو إلا رجل".

ثم أقبل يتوكأ على رمحه ويُقارب خطوه حتى أفسد ما مرّ عليه من البُسط، ثم دنا من رستم، وجلس على الأرض، وركز رمحه على البساط، وقال: "إنّا لا نقعد على زينتكم". فقال له رستم: "ما جاء بكم؟"، قال: "الله جاء بنا، وهو بَعَثنا لنُخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومنْ ضيق الدُّنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأدْيَان إلى عدل الإسلام، فأرسل لنا رسوله بدينه إلى خَلْقِهِ، فمن قبله قبلنا منه ورجعنا عنه، وتركناه وأرضه، ومن أبى قاتلناه حتى نُفضي إلى الجنة، أو الظَّفر".

فقال رستم: "قد سمعنا قولكم، فهل لكم أن تؤخروا هذا الأمر حتى ننظر فيه؟"، فقال: "نعم، وإنَّ مما سَنَّ لنا رسول الله ألاّ نمكن الأعداء أكثر من ثلاث، فنحن مترددون عنكم ثلاثاً، فانظر في أمرك واختر واحدة من ثلاث بعد الأجل: الإسلام وندعك وأرضك، أو الجزاء فنقبل ونكف عنك، وإن احتجت إلينا نصرناك، أو المنابذة في اليوم الرابع إلا أن تبدأ بنا، وأنا كفيل عن أصحابي".

فقال رستم: "أسيِّدهم أنت؟"، قال: "لا ولكنّ المسلمين كالجسد الواحد بعضهم من بعض، يُجِيزُ أدناهم أعلاهم".

ثم انصرف، فخلا رستم بأصحابه، وقال: "رأيتم كلاماً قط مثل كلام هذا الرجل؟"، فأروه الاستخفاف بشأنه، فقال رستم: "ويلكم وإنما أنظر إلى الرأي والكلام والسيرة، والعربُ تستخف اللباس وتصون الأحساب".

فلما كان اليوم الثاني من نزوله، أرسل إلى سعد: "أن ابعث إلينا هذا الرجل". فأرسل إليه حذيفة بن مِحْصَن الغلفاني، فلم يختلف عن ربعي في العمل والإجابة، ولا غرابة، فهما مستقيان من إناء واحد، وهو دين الإسلام.

فقال له رستم: "ما قَعَد بالأول عنا؟"، قال: "أميرُنا يَعْدل بيننا في الشدة والرّخاء، وهذه نوبتي". فقال رستم: "والمواعدة إلى متى؟"، قال: "إلى ثلاث، من أمس".

وفي اليوم الثالث أرسل إلى سعد: "أن ابعث إلينا رجلاً". فأرسل إليه المغيرة بن شعبة فتوجه إليه، ولما كان بحضرته جلس معه على سريره، فأقبلت إليه الأعوان يجذبونه، فقال لهم: "قد كانت تبلغنا عنكم الأحلام، ولا أرى قوماً أسفه منكم، إنا معشر العرب لا يستعبد بعضنا بعضاً، إلا أن يكون محارباً لصاحبه، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني: أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم، وأن مُلكاً لا يقوم على هذه السِّيرة ولا على هذه العقول".

فقالت السوقة: "صدق والله العربي"، وقالت الدَّهاقين (زعماء الفلاحين): "لقد رمى بكلام لا تزال عبيدنا تنزع إليه، قاتل الله سابقينا حيث كانوا يُصَغِّرون أمر هذه الأمة".

ثمّ تكلم رستم بكلام صَغَّر فيه شأن العرب، وضخَّم أمر الفرس، وذكر ما كانوا عليه من سوء الحال وضيق العيش.

فقال المغيرة: "أما الذي وصفتنا به من سوء الحال والضيق والاختلاف، فنعرفه ولا ننكره، والدنيا دُول، والشدة بعدها الرخاء، ولو شكرتم ما آتاكم الله لكان شُكركم قليلاً على ما أوتيتم، وقد أسلمكم ضعف الشُّكر إلى تغير الحال، وإن الله بعث فينا رسولاً"، ثم ذكر مثل ما تقدم، وختم كلامه بالتخيير بين الإسلام أو الجزية أو المنابذة.

فرد رستم: "ارجع إلى أصحابك واستعدوا للحرب فليس بيننا وبينكم صلح ولنفقأن عينك غداً"، فقال المغيرة: "وأنت ستقتل غداً إن شاء الله".

ثم خلا رستم بأهل فارس وقال: "أين هؤلاء منكم؟ ألم يأتكم الأوَّلان فجسراكم واستخرجاكم، ثم جاءكم هذا فلم يختلفوا، وسلكوا طريقاً واحداً، ولزموا أمراً واحداً، هؤلاء والله الرجال - صادقين كانوا أم كاذبين - والله لئن بلغ من أدبهم وصونهم لسرّهم أن لا يختلفوا فما قوم أبلغ فيما أرادوا منهم، لئن كانوا صادقين فما يقوم لهؤلاء شيء"، فَلَجُّوا وتجلدوا، فقال: "والله إني لأعلم أنكم تصغون إلى ما أقول لكم وإن هذا منكم رياء"، فازدادوا الجاجا.

عند المواجهة

خطب سعد بن أبي وقاص في الناس وتلا قول الله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ) [الأنبياء:105]. وأمر القرّاء أن يشرعوا في سورة الأنفال، فقرئت ولما أتموا قراءتها هشت قلوب الناس وعيونهم، ونزلت السكينة وصلى الناس الظهر. وأمر سعد جيشه أن يزحفوا بعد التكبيرة الرابعة، وأن يقولوا: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، واستمرت المعركة أربعة أيام.

وقد كان سعد - رضي الله عنه - مريضاً بعرق النَسا، وبه دمامل لا يستطيع الركوب ولا الجلوس فكان مكبِّا على صدره وتحته وسادة ويشرف على الميدان من قصر قُدَيْس الذي كان في القادسية وقد أناب عنه في تبليغ أوامره خالد بن عرفطة، وقد أمر بأن ينادي في الجيش: "ألا إن الحسد لا يحل إلا على الجهاد في أمر الله، أيها الناس فتحاسدوا وتغايروا على الجهاد".

وقبل بدء القتال حصل اختلاف على خالد بن عرفطة نائب سعد فقال سعد: "احملوني وأشرفوا بي على الناس"، فارتقوا به، فأكبّ مطَّلعاً عليهم والصف في أسفل حائط قصر قُدَيْس يأمر خالداً فيأمر خالد الناس، وكان ممن شغب عليه بعض وجوه الناس فهمَّ بهم سعد وشتمهم، وقال: "أما والله لولا أن عدوكم بحضرتكم لجعلتكم نكالاً لغيركم"، فحبسهم، ومنهم أبو محجن الثقفي وقيدهم في القصر. وقال جرير بن عبد الله - مؤيداً طاعة الأمير -: "أما أني بايعت رسول الله على أن أسمع وأطيع لمن ولاه الله الأمر وإن كان عبداً حبشياً". وقال سعد: "والله لا يعود أحد بعدها يحبس المسلمين عن عدوهم ويشاغلهم وهم بإزائهم إلا سننتُ فيه سنة يؤخذ بها من بعدي".

وقد قام فيهم سعد بن أبي وقاص بعد هذه الحادثة خطيباً، فقال بعد أن حمد لله وأثنى عليه: "إن الله هو الحق لا شريك له في الملك، وليس لقوله خُلف، قال الله جل ثناؤه:(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ) [الأنبياء:105]، إن هذا ميراثكم وموعود ربكم، وقد أباحها لكم منذ ثلاث حجج فأنتم تطعمون منها وتأكلون، وتقتلون أهلها وتجبرنهم وتسبونهم إلى هذا اليوم بما نال منهم أصحاب الأيام منكم وقد جاءكم منهم هذا الجمع، وأنتم وجوه العرب وأعيانهم وخيار كل قبيلة، عِزَّ من وراءكم، فإن تزهدوا في الدنيا وترغبوا في الآخرة جمع الله لكم الدنيا والآخرة، ولا يقرِّب ذلك أحداً إلى أجله، وإن تفشلوا وتهنوا وتضعفوا تذهب ريحكم تُوبقوا آخرتكم".

لما نزل رستم النجف بعث منها عيناً إلى عسكر المسلمين، فانغمس فيهم بالقادسية كبعض من ندَّ منهم، فرآهم يستاكون عند كل صلاة ثم يصلون، فيفترقون إلى موقفهم، فرجع إليه فأخبره بخبرهم وسيرتهم، حتى سأله: ما طعامهم؟، فقال: مكثت فيهم ليلة، لا والله ما رأيت أحداً منهم يأكل شيئاً إلا أن يمصوا عيداناً لهم حين يُمسون وحين ينامون وقبيل أن يصبحوا. 

رفع الروح المعنوية بين أفراد الجيش الإسلامي

جمع سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وجهاء المسلمين وقادته في بداية اليوم الأول من المعركة وقال لهم: انطلقوا فقوموا في الناس بما يحق عليكم ويحق لهم عند مواطن البأس، فإنكم من العرب بالمكان الذي أنتم به، وأنتم شعراء العرب وخطباؤهم، وذوو رأيهم ونجدتهم وسادتُهم، فسيروا في الناس فذكروهم وحرضوهم على القتال، فساروا فيهم.

- فقال قيس بن هبيرة الأسدي: "أيها الناس احمدوا الله على ما هداكم له وأبلاكم له يزدكم، واذكروا آلاء الله، وارغبوا إليه في عاداته، فإن الجنة أو الغنيمة أمامكم، وإنه ليس وراء هذا القصر إلا العراء، والأرض القفر، والظِّراب الخُشْن والفلوات التي لا تقطعها الأدلة".

- وقال غالب بن عبد الله الليثي: "أيها الناس احمدوا الله على ما أبلاكم وسلوه يزدكم، وادعوه يحيكم، يا معشر معدّ، ما علّتكم اليوم وأنتم في حصونكم (يعني الخيل) ومعكم من لا يعصيكم (يعني السيوف)؟. اذكروا حديث الناس في غد، فإنه بكم غداً يبدأ عنده، وبمن بعدكم يُثنَّى".

- وقال ابن الهذيل الأسدي: "يا معشر معدّ، اجعلوا حصونكم السيوف، وكونوا عليهم كالأسود الأجم، وتربَّدوا لهم تربُّد النمور وادرعوا العجاج، وثقوا بالله، وغضوا الأبصار، فإذا كلَّت السيوف فإنها مأمورة فأرسلوا عليهم الجنادل فإنها يؤذن لها فيما لا يؤذن للحديد فيه".

- وقال بسر بن أبي رهم الجهني: "احمدوا الله وصدقوا قولكم بفعل، فقد حمدتم الله على ما هداكم له، ووحدتموه ولا إله غيره، وكبرتموه، وآمنتم بنبيه ورسله، فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون، ولا يكوننَّ شيء بأهون عليكم من الدنيا، فإنها تأتي من تهاون بها، ولا تميلوا إليها فتهرب منكم لتميل بكم انصروا الله ينصركم".

- وقال عاصم بن عمرو: "يا معشر العرب إنكم أعيان العرب وقد صمدتم لأعيان من العجم، وإنما تخاطرون بالجنة، ويخاطرون بالدنيا، فلا يكونُنّ على دنياهم أحوط منكم على آخرتكم، لا تحدثوا اليوم أمراً تكونون شيئاً على العرب غداً".

- وقال ربيع بن البلاد السعدي: "يا معشر العرب قاتلوا للدين والدنيا، (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران:133]. وإن عظم الشيطان عليكم الأمر فاذكروا الأخبار عنكم بالمواسم ما دام للأخبار أهل".

- وقال ربعي بن عامر: "إن الله قد هداكم للإسلام، وجمعكم به، وأراكم الزيادة، وفي الصبر راحة، فعوِّدوا أنفسكم الصبر تعتادوه، ولا تعوّدوها الجزع فتعتادوه، وقد قال كلهم بنحو هذا الكلام، وتواثق الناس وتعاهدوا، واهتاجوا لكل ما كان ينبغي لهم".

خطة القعقاع بن عمرو

أسرع القعقاع بمقدمه حتى قدم بهم على جيش القادسية صبيحة يوم أغواث (ثاني أيام المعركة)، وكان أثناء قدومه قد فكر بعمل يرفع به من معنوية المسلمين، فقسم جيشه إلى مائة قسم كل قسم مكوَّن من عشرة، وأمرهم بأن يقدموا اتباعاً كلما غاب منهم عشرة عن مدى إدراك البصر سرّحوا خلفهم عشرة. فقدم هو في العشرة الأوائل، وصاروا يقدمون تباعاً كلما سرّح القعقاع بصره في الأفق فأبصر طائفة منهم كبَّر فكبر المسلمون، ونشطوا في قتال أعدائهم، وهذه خطة حربية ناجحة لرفع معنوية المقاتلين، فإن وصول ألف لا يعني مدداً كبيراً لجيش يبلغ ثلاثين ألفاً، ولكن هذا الابتكار الذي هدى الله القعقاع إليه قد عوض نقص هذا المدد بما قوّى به عزيمة المسلمين، وقد بشرهم بقدوم الجنود بقوله: "يا أيها الناس إني قد جئتكم في قوم والله أن لو كانوا بمكانكم ثم أحسوكم حسدوكم حَظْوتها وحاولوا أن يطيروا بها دونكم، فاصنعوا كما أصنع". فتقدم ثم نادى: من يبارز؟، فقالوا فيه بقول أبي بكر: "لا يهزم جيش فيهم مثل هذا"، وسكنوا إليه، فخرج إليه ذو الحاجب، فقال له القعقاع: من أنت؟، فقال: أنا بهمن جاذويه. وهنا تذكّر القعقاع مصيبة المسلمين الكبرى يوم الجسر على يد هذا القائد فأخذته حميته الإسلامية فنادى وقال: يا لثارات أبي عبيد وسُليط وأصحاب الجسر، ولابد أن هذا القائد الفارسي بالرغم مما اشتهر به من الشجاعة قد انخلع قلبه من هذا النداء، فلقد قال أبو بكر - رضي الله عنه - عن القعقاع: "لصوت القعقاع في الجيش خير من ألف رجل". وما لبث القعقاع أن أوقعه أمام جنده قتيلاً فكان لقتله بهذه الصورة أثر كبير في زعزعة الفرس ورفع معنوية المسلمين؛ لأنه كان قائداً لعشرين ألف مقاتل من الفرس.

ثم نادى القعقاع مرة أخرى من يبارز؟، فخرج إليه رجلان أحدهم البيرزان والآخر البندوان، فانضم إلى القعقاع الحارث بن ظبيان ابن الحارث أخو بني تميم اللات، فبارز القعقاع بيرزان، فقتله القعقاع وبارز ابن ظبيان بندوان وهو من أبطال الفرس فقتله ابن ظبيان وهكذا قضى القعقاع في أول النهار على قائدين من قادة الفرس الخمسة ولاشك أن ذلك أوقع الفرس في الحيرة والاضطراب وساهم ذلك في تدمير معنويات أفراد الجيش الفارسي. والتحم الفرسان من الفريقين، وجعل القعقاع يقول: "يا معشر المسلمين باشروهم بالسيوف فإنه يُحصد بها، فتواصى الناس بها، وأسرعوا إليهم بذلك فاجتلدوا بها حتى المساء"، وذكر الرواة أن القعقاع حمل يومئذ ثلاثين حملة، كلما طلعت قطعة حمل حملة، وأصاب فيها وجعل يقول:

أُزعجهم عمداً بها إزعاجا

أطعن طعناً صائباً ثجّاجــا

وكان آخر من قُتل بُزرُ جَمهَرْ الهمذاني وقال في ذلك القعقاع:

حبوتـــه جيَّاشــــــةً بالنفــس

في يوم أغواث فَلَيْلُ الفـــرس

هدّارة مثل شعـــاع الشمــس

أنخس في القوم أشد النخس

وللنساء دورهن

- الخنساء بنت عمرو تحرض بنيها على القتال

في مضارب نساء المسلمين بالعذيب جلست الخنساء بنت عمرو شاعرة بني سليم المخضرمة ومعها بنوها أربعة رجال تعظهم وتحرضهم على القتال قالت: "إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين وقد تعلمون ما أعدّ الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران:200]. فإن أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها واضطرمت لظى على سياقها وحللت نار على أرواقها فتيمموا وطيسها وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها؛ تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة". فخرج بنوها قابلين لنصحها عازمين على قولها، فلما أضاء الصبح باكروا مراكزهم.

وكان لأبناء الخنساء الأربعة مواقف فدائية في ذلك اليوم؛ فقد اندفعوا إلى القتال بحماس وقال كل واحد منهم شعراً حماسياً يقوِّي به نفسه وإخوانه فقال أولهم:

يا إخوتي إن العجوز الناصحة

مقالــــةً ذات بيـــان واضحـــة

فبادروا الحرب الضروس زحفاً

أو يكشفوكم عن حماكم كشفاً

والقتل فيكم نجدة وزُلفى

وقاتل حتى استشهد، وحمل الرابع وهو يقول:

لست لخنساء ولا للأخْرَمِ

إن لم أرِدْ في الجيش جيش الأعجم

إما لفوز عاجل ومغنم

ولا لعمرو ذي السناء الأقدم

ماض على الهول خضمِّ خضرم

أو لوفاة في السبيل الأكرم

فقاتل حتى استشهد وبلغ الخنساء خبر بنيها الأربعة فقالت: "الحمد لله الذي شرّفني بقتلهم، وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته".

- نخعية تشجع بنيها على القتال

كانت امرأة من النخع لها بنون أربعة شهدوا القتال ذلك اليوم، فلما بدأ الصباح ينبلج قالت لهم: "إنكم أسلمتم فلم تبدلوا، وهاجرتم فلم تثربوا،

ولم تَنْب بكم البلاد تقحمكم السنة، ثم جئتم بأمكم عجوز كبيرة فوضعتموها بين يدي أهل فارس، والله إنكم لبنو رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم ولا فضحت خالكم، انطلقوا فاشهدوا أول القتال وآخره".

فانصرفوا عنها مسرعين يشتدون، فلما غابوا عنها رفعت يديها إلى السماء وهي تقول: "اللهم ادفع عن بنيّ"، فرجعوا إليها بعد ذلك وقد أحسنوا القتال ما جرح منهم رجل جرحاً.

سلاح الشعر

ومما قيل من الشعر ذلك اليوم:

- قال القعقاع بن عمرو:

حضَّض قومي مَضْرَحيُّ بن يعمر

وما خام عنها يوم سارت جموعُنا

فإن كنتُ قاتلتُ العدوَّ فَلَلْته

فيولاً أراها كالبُيوت مُغيرة

فلله قومي حين هزُّوا العواليا

لأهل قُديس يمنعون المواليا

فإني لألقى في الحروب الدّواهيا

أُسَمِّلُ أعياناً لها ومآقيا

- وقال آخر:

أنا ابن حرب ومعي مخراقي

إذ  كره الموت أبو إسحاق

أضربهم بصارم رقراق

وجاشت النفس على التراقي

- ومما قاله قيس بن المكشوح المرادي يتحدث عن فروسيته مفتخراً لما كان منه ومن المجاهدين الآخرين في مناهضة قادة الفرس فيقول:

جلبتُ الخيلَ من صَنعاءَ تَردِي

إلى وادي القُرى فديار كلب

وجئنا القادسية بعد شهر

فناهضنا هنالك جَمْعَ كسرى

فلمّا أن رأيت الخيل جالت

فاضربُ رأسه فهوى صريعا

وقد أبلى الإله هناك خيراً

- وقال بشر بن ربيع الخثعمي في القادسية:

تذَّكر هداك الله وقع سيوفنا

عشية ودَّ القوم لو أن بعضهم

إذا ما فرغنا من قراع كتيبة

ترى القوم فيها واجمين كأنَّهم

بباب قُديس والمكرُّ عَسِيرُ

يعار جَنَاحَيْ طائر فيطيرُ

دلْفنا لأخرى كالجبال تسير

جمال بأجمال لهُنَّ زَفِيرُ

- ما قاله النابغة الجعدي وهو يصور بشعره ما دار بينه و بين امرأته، وقد جزعت بسبب ذهابه في فتوح فارس، فقال:

باتَتْ تذكرني بالله قاعدة

يا بنت عمّي كتاب الله أخرجني

فإن رجعت فربُّ الناس أرجعني

ما كنت أعرجَ أو أعمى فيعذرني

والدمع ينهل من شأْنَيْها سَبَلا

كرهاً، وهل أمنعنَّ الله ما بذلا

وإن لحقت بربي فابتغي بدَلا

أو ضارعاً من ضنىً لم يستطع حِوَلا

الصبر قبل الحسم

وفي ليلة الهرير (اليوم الرابع) غيّر الفرس طريقتهم في القتال، فقد أدرك رستم أن جيشه لا يصل إلى مستوى فرسان المسلمين في المطاردة ولا يقاربهم، فعزم على أن يكون القتال زحفاً بجميع الجيش حتى يتفادى الانتكاسات السابقة التي تسببت في تحطيم معنويات جيشه، فلم يخرج أحد من الفرس للمبارزة والمطاردة بعدما انبعث لذلك أبطال المسلمين، وجعل رستم جيشه ثلاثة عشر صفاً في القلب والمجنَّبتين وبدأ القعقاع بن عمرو القتال وتبعه أهل النجدة والشجاعة قبل أن يكبر سعد، فسمح لهم بذلك واستغفر لهم، فلما كبر ثلاثاً زحف القادة وسائر الجيش، وكانوا ثلاثة صفوف، صفاً فيه الرماة وصفاً فيه الفرسان وصفاً فيه المشاة، وكان القتال في تلك الليلة عنيفاً، وقد اجتلدوا من أول الليل حتى الصباح لا ينطقون، كلامهم الهرير، فسمّيت ليلة الهرير، وقد أوصى المسلمون بعضهم بعضاً على بذل الجهد في القتال لما يتوقعونه من عنف الصراع، ومما رُوي من الأقوال في ذلك:

- دريد بن كعب النخعي قال لقومه: "إن المسلمين تهيئوا للمزاحفة فاسبقوا المسلمين الليلة إلى الله والجهاد فإنه لا يسبق الليلة أحد إلا كان ثوابه على قدر سبقه، نافسوهم في الشهادة وطيبوا بالموت نفساً، فإنه أنجى من الموت إن كنتم تريدون الحياة، وإلا فالآخرة ما أردتم".

- وقال الأشعث بن قيس: "يا معشر العرب إنه لا ينبغي أن يكون هؤلاء القوم أجرأ على الموت ولا أسخى أنفساً عن الدنيا، تنافسوا الأزواج والأولاد، ولا تجزعوا من القتل فإنه أماني الكرام ومنايا الشهداء".

- حميضة ين النعمان البارقي وكان بإزاء قبيلة (جُعْفى) ليلة الهرير كتيبة من كتائب العجم عليهم السلاح التام، فازدلفوا لهم فجالدوهم بالسيوف، فرأوا أن السيوف لا تعمل مع الحديد فارتدعوا، فقال لهم حميضة: "مالكم؟"، قالوا: "لا يجوز فيهم السلاح"، قال: "كما أنتم حتى أريكم، انظروا"، فحمل على رجل منهم فاستدار خلفه فدق ظهره بالرمح، ثم التفت إلى أصحابه فقال: "ما أراهم إلا يموتون دونكم"، فحملوا عليهم وأزالوهم إلى صفهم.

- وكان بإزاء قبيلة كندة، ترك الطبري (أحد قادة الفرس) فقال الأشعث بن قيس الكندي: ياقوم ازحفوا لهم، فزحف لهم في سبعمائة فأزالهم وقتل قائدهم، ترك وكان القتال في تلك الليلة شديداً متواصلاً.

- وقام زعماء القبائل يحثون قبائلهم على الثبات والصبر، ومما يبين عنف القتال في تلك الليلة، ما أخرجه الطبري عن أنس بن الحليس قال: شهدت ليلة الهرير، فكان صليل الحديد فيها كصوت القيون ليلتهم حتى الصباح، أفرغ عليهم الصبر إفراغاً وبات سعد بليلة لم يبت بمثلها، ورأى العرب والعجم أمراً لم يروا مثله قط، وانقطعت الأصوات والأخبار عن رستم وسعد، وأقبل سعد على الدعاء حتى إذا كان نصف الليل الباقي سمع القعقاع بن عمرو وهو يقول:

نحن قتلنا معشراً وزائدا

نحسب فوق اللّبد الأساودا

أربعة وخمسة وواحدا

حتى إذا ماتوا دعوت جاهدا

الله ربي واحترست عامدا

فاستدل سعد بذلك على الفتح، وهكذا بات سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه يدعو الله تعالى تلك الليلة ويستنزل نصره، ومما ينبغي الإشارة إليه أن سعداً كان مستجاب الدعوة.

نهاية المعركة

انتهت المعركة بتوفيق الله تعالى، ثم بجهود أبطال المسلمين وحكمة قائدهم سعد بن أبي وقاص، وكانت معركة عنيفة قاسية ثبت فيها الأعداء للمسلمين ثلاثة أيام حتى هزمهم الله في اليوم الرابع، بينما كان المسلمون يهزمون أعداءهم غالباً في يوم واحد، وكان من أسباب هذا الثبات أن الفرس كانوا يعتبرون هذه المعركة معركة مصير، فإما أن تبقى دولتهم مع الانتصار، وإما أن تزول دولتهم مع الهزيمة والاندحار ولا تقوم لهم قائمة، كما أن من أسباب ثباتهم وجود أكبر قادتهم رستم، على رأس القيادة، وهو قائد له تاريخ حافل بالانتصارات على أعدائه إضافة إلى تفوق الفرس في العدد والعُدد، حيث كان عدد الفرس عشرين ومائة ألف من المقاتلين من غير الأتباع، مع من كان يبعثهم يزدجرد مدداً كل يوم بينما كان عدد المسلمين بضعة وثلاثين ألفاً، ومع هذا كله انتصر المسلمون عليهم بعد أن قدموا ثمانية آلاف وخمسمائة من الشهداء، وهذا العدد من الشهداء هو أكبر عدد قدمه المسلمون في معاركهم في الفتوح الإسلامية الأولى، وكونهم قدموا هذا العدد من الشهداء دليل على عنف المعركة وعلى استبسال المسلمين وتعرضهم للشهادة رضي الله عنهم أجمعين.

وكتب سعد إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنهما يخبره بالفتح مع سعد بن عُميْلة الفزاري وجاء في كتابه: "أما بعد فإن الله نصرنا على أهل فارس، ومنحهم سنن من كانوا قبلهم من أهل دينهم، بعد قتال طويل، وزلزال شديد، وقد لقوا المسلمين بعُدة لم ير الراؤون مثل زهائها فلم ينفعهم الله بذلك بل سلبهموه ونقله عنهم إلى المسلمين، واتبعهم المسلمون على الأنهار وعلى طفوف الآجام، وفي الفجاج، وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارئ وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا نعلمهم، والله بهم عالم، كانوا يُدَوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل دَويَّ النحل، وهم آساد الناس لا يشبههم الأسود، ولم يفضل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذ لم تكتب لهم".

خطبة الفاروق بعد فتح القادسية

لما أتى عمر رضي الله عنه خبر الفتح قام في الناس فقرأ عليهم الفتح، وقال: "إني حريص على أن لا أدع حاجة إلا سددتها ما اتسع بعضنا لبعض، فإذا عجز ذلك منا تآسينا في عيشنا حتى نستوي في الكفاف، ولوددت أنكم علمتم من نفسي مثل الذي وقع فيها لكم ولست معلمكم إلا بالعمل. إني والله ما أنا بملك فأستعبدكم، وإنما أنا عبد الله عُرض عليَّ الأمانة، فإن أبيتها ورددتها عليكم واتبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم وترووا سعدت، وإن أنا حملتها واستتبعتها إلى بيتي شقيت، ففرحت قليلاً وحزنت طويلاً، وبقيت لا أقال ولا أرد فأستعتب".

يعف عند المغنم

وعندما بعث سعد بن أبي وقاص أيام القادسية إلى عمر رضي الله عنه بقباء كسرى، وسيفه ومنطقته، وسراويله، وقميصه، وتاجه، وخفيه، نظر عمر في وجوه القوم فكان أجسمهم وأمدهم قامة سراقة بن جعثم المدلجي، فقال: يا "سراقة قم فالبس"، فقام فلبس وطمع فيه. فقال له عمر: "أدبر"، فأدبر، ثم قال: "أقبل"، فأقبل، ثم قال: "بخ بخ، أعرابي من بني مدلج عليه قباء كسرى، وسراويله، وسيفه، ومنطقته، وتاجه، وخفاه، رب يوم يا سراقة بن مالك لو كان عليك فيه من متاع كسرى كان شرفاً لك ولقومك، انزع"، فنزع سراقة. فقال عمر: "اللهم إنك منعت هذا رسولك ونبيك وكان أحب إليك مني وأكرم عليك مني، ومنعته أبا بكر وكان أحب إليك مني، وأكرم عليك مني، ثم أعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي".

ثم بكى حتى رحمه من عنده. ثم قال لعبد الرحمن بن عوف: "أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسي".

وعن أبي بكر بن عياش قال: "جيء بتاج كسرى إلى عمر رضي الله عنه فقال: "إن قوماً أدوا هذا لأمناء"، فقال عليّ رضي الله عنه: إن القوم رأوك عففت فعفوا، ولو رتعت لرتعوا".

وجاء في تاريخ الطبري أنه لما هبط المسلمون المدائن عاصمة الفرس وجمعوا الغنائم، أقبل رجل بحُقٍ معه، فدفعه إلى المسؤول عن حصر الغنائم. فقال الذين معه: "ما رأينا مثل هذا قط، ما يعدله ما عندنا ولايقاربه". فسألوه إن كان قد أخذ منه شيئاً، فقال: "أما والله لولا الله ما أتيتكم به". ورفض أن يفصح عن اسمه، حتى لا يُعرف فيُحمد؛ لأنه يريد حمد الله وثوابه، وليس حَمْد الناس. وأرسلوا وراءه رجلاً خِلْسةً ليعرفه، فعرفه من أصحابه، فإذا هو عامر بن عبد قيس رضي الله عنه.

وقد مهدت هذه المعركة العظيمة الطريق إلى فتح بلاد آسيا حتى وصلت الفتوحات مشارف الصين.

 

الخلاصة

كم كان هؤلاء القوم أعزة بدينهم وكم كانوا عظماء في دنياهم.. تميزوا بقوة التمسك بشرع الله وقوة الثقة بالنفس والترفع عن صغائر الأمور وسفاسفها، والشجاع والحنكة.

ويلاحظ من خلال قراءة قصة هذه المعركة مدى الحرص الشديد على ربط النصر بالاستقامة في الدين، ثم حسن التدبير في مواجهة العدو.

كذلك حسن اختيار الرسل والوفود عند مخاطبة العدو لتحقيق هدفين رئيسيين:

- إحقاق الحق وإبلاغ رسالة الإسلام في أفضل صوره وإقناع العدو به لعله يتذكر أو يخشى.

- إظهار مدى قوة المسلمين وعزتهم وفخرهم بدينهم واستعدادهم للموت في سبيله، وتغيير الصورة السلبية التي لصقت بالعرب في نظر الأمم الأخرى.

وهذا ما يحتاج إليه المسلمون في عصرنا هذا عبر الاقتداء بهؤلاء القوم عند التعامل مع الأمم غير المسلمة..

وبما أننا لسنا في زمن الفتوحات الإسلامية؛ فإننا بحاجة إلى فتوحات أخرى تناسب عصرنا لتصحيح أوضاع المسلمين وتمكننا من نشر ديننا، مع الاستفادة بما كان عليه الصحابة والمسلمون في العصور الإسلامية المجيدة.


نسخة مجهزة للطباعة

دعوة صديق

إسمك :

بريدك الإلكتروني :

بريد صديقك الإلكتروني :