متقدم
Skip Navigation Links
Skip Navigation Links

أمة الإسلام:

!!لا نؤخر تحرير القدس والأقصــــى وهو مهدد بالهدم! بذنوبنا

(لن تعود حتى نعود!!!) الشيخ محمد جميل العقاد 

  • بطاقة: لنبدأ..
  • بطاقة: أين نحن!
  • وجدتُ قلبي في الصلاة..
  • بطاقة: على خطر!!
  • بطاقة: علامات..
  • معركة موهاكس.. يوم من أيام الله..
  • الارتقاء بالدعوة في المدارس.. أفكار عملية..
  • فن اختيار الوقت في الموعظة..
  • الحرب الإلكترونية لتشويه الإسلام.. من سيتصدى لها؟
  • بطاقة: صفحة بيضاء..
  • بطاقة: وعاد الحجيج..
  • بطاقة: عتاب من القلب..
  • يوسف تيميرخانوف.. بطل شيشاني يترجل..
  • المسلمون في أوكرانيا.. آلام وآمال..
  • بطاقة: تسهيل المعاصي!!
  • بطاقة: استحقوا العقوبة!!
  • المرأة الداعية كيف تنجح في دعوتها..
  • الإعلام الخائن والإرهاب الناعم | د. محمد راتب النابلسي (مقطع)
  • بطاقة: يخافون منها..
  • بطاقة: مشكلة أمتنا!!
  • بطاقة: من علامات قبول الأعمال..
  • (مقطع) مضت أيام رمضان..
  • (مرئي) خطورة اتباع الهوى | أ.د. ناصر بن سليمان العمر..
  • بطاقة: أهلاً لنصر الله!!
  • بطاقة: حتى يرجع رمضان!!
  • خطايا القلوب..
  • بطاقة: الشرف المفقود..
  • بطاقة: غافلين عن السبب!!
  • بطاقة: أخرج من القصعة..
  • بطاقة: هزائم مباشرة..
    المزيد
    القنوات التي تعرض الغناء والمسلسلات المحرمة تقصد إبعاد الأمة عن التمسك الحق بالدين وإلهاء وتخدير المسلمين
    حكمها الشرعي
    الرئيسية > ضرورة الدعوة > حكمها الشرعي >
    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
    سليمان بن قاسم العيد/ المختار الإسلامي
    06 ذو الحجة, 1432

    مقدمة:

    إن الحمد لله نحمد ونستعينه، ونستغفره ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمد عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

    فإن أعظم نعم الله - سبحانه وتعالى - علينا أن جعلنا مسلمين، ومن أمة سيد المرسلين، خير أمة أخرجت للناس، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ونعم الله - سبحانه وتعالى - علينا كثيرة، لا نحصي عددها، ولا نطيق شكرها. ومن الواجب علينا تجاه هذه النعم الاجتهاد في شكرها؛ (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد)، وما شكرت نعمة الإسلام بمثل الحفاظ عليها، بالعمل بشرائعها، والدعوة إليها بالحكمة والموعظة الحسنة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالتي هي أحسن.

    وإذا تأملنا في هذا الزمان حال المسلمين وحال البلاد الإسلامية، لوجدنا ما يندى له الجبين، وتدمع له العين، من ضعف الدين، وعجز المسلمين، فأصبحت أمتنا في هذا الزمان أمة مستضعفة مستهدفة، تداعى عليها الأمم، كما تداعى الأكلة على قصعتها.

    واللوم ليس على الأعداء وحدهم، بل نلوم أنفسنا معشر المسلمين؛ (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)، نعم بما كسبت أيدينا من معصية الله في التقصير في الواجبات، والوقوع في المعاصي والمحرمات.

    ومن أبرز ما قصر به المسلمون في هذا الزمان واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذي أدى إلى التقصير في أمور كثيرة من الدين، فبتقصير المسلمين في جانب الأمر بالمعروف، بدأ كثير من الناس مع الزمان يتهاونون بالمعروف مع الزمان شيئاً فشيئأ، فبدأ الأمر بترك النوافل والمستحبات، وانتهى بترك الفرائض والواجبات. وفي جانب التهاون في إنكار المنكر، بدأ كثير من الناس شيئاً فشيئاً بفعل المكروهات، وانتهى بهم الأمر إلى الوقوع في الفواحش والمنكرات.

    ولأهمية هذا الموضوع أردت أن أكتب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من جانبين أولهما: الحث على فعله، وذلك بذكر فضائله وآثاره الإيجابية على الفرد والمجتمع.

    والجانب الآخر: التحذير من تركه وذلك بذكر الأضرار المترتبة على تركه في الفرد والمجتمع.

    ثم عقبت بعد ذلك بذكر بعض الشبه التي تدور في نفوس بعض الناس، مما يكون سبباً في صدهم عن القيام بهذا العمل الجليل -(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)-، كما بينت مع كل شبهة الرد عليها.

    فأرجو من المولى - سبحانه وتعالى - أن يجعل هذه الكلمات اليسيرة، تنشيطاً للنفوس، وإحياءً للقلوب، للجد والاجتهاد، في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لما فيه من صلاح للبلاد والعباد، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    تمهيد: المعروف والمنكر:

    المعروف في اللغة: ضد المنكر، والعرف ضد النكر، والعارِفُ والعَروفُ الصبور، ويطلق المعروف على الوجه لأن الإنسان يعرف به، كما يطلق على الجود وقيل: هو اسم ما تبذله وتسديه[1].

    المعروف في الاصطلاح: اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع ونهى عنه من المحسنات والمقبحات[2].

    وقيل: هو كل ما يحسن في الشرع[3].

    وقيل: هو كل ما عرف في الشرع من خير وطاعة مندوباً كان أو واجباً، وسمي معروفاً لأن العقول السليمة تعرفه[4].

    المنكر في اللغة: هو واحد المَناَكِر، وهو النكر، قال - تعالى -: (لقد جئتم شيئاً نكراً)، والنَكِير والإنْكارُ: تغيير المنكر، والإنكارُ: الجحود، والتناكرُ: التجاهل. [5]

    المنكر في الاصطلاح: كل ما قبحه الشرع وحرمه وكرهه. [6]

    وقيل: ما عرف قبحه شرعاً وعقلاً. [7]

    وقيل: كل قول وفعل وقصد قبحه الشارع ونهى عنه. [8]

    وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    اتفق علماء الأمة على القول بوجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما أثر عنهم من الأقوال مستدلين على ذلك بالكتاب والسنة، ومن ذلك على السبيل المثال ما يلي:-

    قال ابن حزم: "اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا خلاف من أحد منهم". [9]

    وقال النووي: "وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة، وإجماع الأمة، وهو أيضاً من النصيحة التي هي الدين، ولم يخالف في ذلك إلا بعض الرافضة، ولا يعتد بخلافهم، كما قال الإمام أبو المعالي إمام الحرمين: لا يكترث بخلافهم في هذا، فقد أجمع المسلمون عليه قبل أن ينبغ هؤلاء، ووجوبه بالشرع لا بالعقل خلافاً للمعتزلة". [10]

    وقال أبو بكر بن العربي: "في مطلق قوله - تعالى -: (ولتكن منكم أمة)[11] دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض يقوم به المسلم، وإن لم يكن عدلاً، خلافاً للمبتدعة الذين يشترطون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر العدالة". [12]

    وقال أبو بكر بن الجصاص: "أكد الله - تعالى - فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مواضع من كتابه، وبينه رسوله - صلى الله عليه وسلم - في أخبار متواترة، وأجمع السلف وفقهاء الأمصار على وجوبه". [13]

    وقال الشوكاني في تفسير قوله - تعالى -: (وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[14]: "في الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت في الكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها ويرتفع سنامها". [15]

    وقد اختلف العلماء في هذا الوجوب هل هو عيني أو كفائي، ومن ذلك على سبيل المثال ما يلي:-

    أولاً: القائلون أنه فرض عين:-

    قال الزجاج: "معنى (ولتكن منكم أمة): ولتكونوا كلكم أمة تدعون إلى الخير، وتأمرون بالمعروف، ولكن (من) تدخل هنا لتحض المخاطبين من سائر الأجناس، وهي مؤكدة أن الأمر للمخاطبين". [16].

    قال البغوي: "كونوا أمة، (من) صلة ليست للتبعيض كقوله - تعالى -: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان)[17] لم يرد اجتناب بعض الأوثان، بل أراد فاجتنبوا الأوثان". [18]

    ومن الأقوال التي تفيد أن الأمر بالمعروف واجباً كفائياً، ما يلي:-

    قال القرطبي: "و(من) في قوله: (منكم) للتبعيض، ومعناه أن الآمرين يجب أن يكونوا علماء، وليس كل الناس علماء، وقيل لبيان الجنس، والمعنى لتكونوا كلكم كذلك. قلت[19]: القول الأول أصح، فإنه يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية". [20]

    قال أبو بكر بن العربي: "في هذه الآية[21] وفي التي بعدها وهي قوله: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) دليل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية". [22]

    قال أبو بكر بن الجصاص: "(وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) الآية قد حوت هذه الآية معنيين: أحدهما وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآخر أنه فرض على الكفاية ليس على كل أحد في نفسه". [23]

    قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "...والله - تعالى - أخبر بأنه (أي الأمة) تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فقد أوجب ذلك على الكفاية منها". [24]

    والقول بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب كفائي هو الراجح -والله أعلم-، وهو الذي ذهب إليه كثير من أهل العلم خلاف من ذكر.

    كما أن بعض العلماء ذهب إلى أنه قد ينتقل إلى فرض عيني، كما قال النووي: "ثم إنه قد يتعين كما إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو، أو لا يتمكن من إزالته إلا هو، كمن يرى زوجته أو أولاده أو غلامه على منكر، أو تقصير في المعروف"[25].

    متى يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مستحباً؟

    قد يخرج الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الوجوب إلى الاستحباب، وذلك في ثلاث حالات:-

    الأولى: أن يكون المأمور به مستحباً، ولم يتواطأ أهل بلد على تركه، ومن ذلك: الأمر بنوافل الصلاة والصوم، والصدقة ونحو ذلك من المستحبات. أو يكون الفعل المرتكب مكروهاً فيكون النهي عنه مستحباً.

    الثانية: أن يكون المأمور به أمراً واجباً، أو الفعل المرتكب أمراً محرماً، لكنه يخشى إذا أمر، أو نهى أن يلحقه الضرر أو الهلاك، فيسقط عنه الوجوب ويبقى مستحباً في حقه[26].

    الثالثة: أن ينتصب لهذا الأمر، بمعنى أن يتطوع مع أهل الحسبة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الأمم المتقدمة:

    لم يكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً على هذه الأمة فحسب، بل كان واجباً من قبل على الأمم المتقدمة، كما دل على ذلك القرآن الكريم على النحو التالي:-

    - قال - تعالى -: (لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ داودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ)[27]. وترك النهي عن المنكر كان سبباً في استحقاق الكفار من بني إسرائيل اللعنة على ألسن الأنبياء داود وعيسى ابن مريم –عليهما السلام-، لعنوا في التوراة والإنجيل وفي الزبور وفي الفرقان، ولو لم يكن النهي عن المنكر واجباً عليهم لما استحقوا اللعنة على تركه.

    - وقال - تعالى -: (وَتَرَىَ كَثِيراً مّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ * لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرّبّانِيّونَ وَالأحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ)[28]، قال ابن كثير: "يعني هلا كان ينهاهم الربانيون والأحبار عن تعاطي ذلك، والربانيون هم العلماء العمال أرباب الولايات عليهم، والأحبار هم العلماء فقط، (لبئس ما كانوا يصنعون) يعني: من تركهم ذلك. وعن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال: ما في القرآن آية أشد توبيخاً من هذه الآية (لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون)"[29].

    وقال القرطبي: "ودلت الآية على أن تارك النهي عن المنكر كمرتكب المنكر فالآية توبيخ للعلماء في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر". [30]

    - وقوله - تعالى -: (إِنّ الّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النّبِيّينَ بِغَيْرِ حَقّ وَيَقْتُلُونَ الّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النّاسِ فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)[31]. قال القرطبي: "دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجباً في الأمم المتقدّمة، وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة" [32].

    فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أجل الأعمال وأشرفها، لما فيها من المزايا العديدة والفضائل الحميدة، ولما فيه من الخير العظيم للفرد والمجتمع، ومن ذلك على سبيل المثال ما يلي:-

    1- سبب في الخيرية:

    لقد جعل الله - سبحانه وتعالى - هذه الأمة، أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، خير أمة أخرجت للناس، وذكر من أسباب هذه الخيرية أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، كما في قوله - سبحانه وتعالى -: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّه)[33]، قال مجاهد: "(كُنْتُمْ خَيْرَ اُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ) على الشرائط المذكورة في الآية"[34]. والشرائط المذكورة في الآية هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والإيمان بالله. وعلى قول مجاهد: كنتم خيرَ أمّةٍ إذ كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. وقيل: إنما صارت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خير أمّةٍ لأن المسلمين منهم أكثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفْشَى. وفي هذه الآية مدح هذه الأمّة ما أقاموا ذلك واتصفوا به. فإذا تركوا التغيير وتَواطَؤوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذّمّ، وكان ذلك سبباً لهلاكهم. [35]

    وقال ابن كثير في تفسيره: "يخبر - تعالى - عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم، فقال - تعالى -: (كنتم خير أمة أخرجت للناس). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام، وهكذا قال ابن عباس ومجاهد وعطية العوفي وعكرمة وعطاء والربيع بن أنس؛ (كنتم خير أمة أخرجت للناس) يعني خير الناس للناس، والمعنى أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس، ولهذا قال: (تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله). فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء عليهم والمدح، كما قال قتادة: بلغنا أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في حجة حجها، رأى من الناس سرعة، فقرأ هذه الآية: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) ثم قال: من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله فيها... ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله - تعالى -: (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه) الآية، ولهذا لما مدح - تعالى - هذه الأمة على هذه الصفات، شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال - تعالى -: (ولو آمن أهل الكتاب... )"[36].

    ومما يؤكد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للخيرية ما رواه الإمام أحمد عن درة بنت أبي لهب قالت: "قام رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: ((خير الناس أقرؤهم وأتقاهم لله، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأوصلهم للرحم))"[37].

    وقال ابن سعدي في تفسيره: "هذا تفضيل من الله لهذه الأمة بهذه الأسباب التي تميزوا بها وفاقوا بها سائر الأمم، وأنهم خير الناس للناس، نصحاً، ومحبة للخير، ودعوة، وتعليماً، وإرشاداً، وأمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر، وجمعاً بين تكميل الخلق، والسعي في منافعهم، بحسب الإمكان، وبين تكميل النفس بالإيمان بالله، والقيام بحقوق الإيمان"[38].

    لا شك أن أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتسعى للناس بالخير، بدعوتهم إليه، وتبعد الناس عن الشر بتحذيرهم منه، هي أنفع أمة للناس. وكما أن هذا الفضل لهذه الأمة على سائر الأمم، فهو أيضاً فضل يتفاضل به أفراد هذه الأمة بعضهم على بعض، فمن قام منهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو أفضل من غيره، وهو خير الناس للناس، ومن كان منهم أكثر بذلاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأكثر تضحية فلاشك أنه أفضل ممن هو دونه.

    وفي المقابل فإن من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد زهد في هذه الخيرية، وتنصل من أخص وصف لهذه الأمة، وتشبه بأهل الكتاب الذين ذمهم الله - سبحانه وتعالى - لتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    2- سبب في الفلاح:

    وكما أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر جعله الله - سبحانه - سبباً لخيرية هذه الأمة، فقد جعله أيضاً سبباً للفلاح لمن قام به، كما في قوله - سبحانه وتعالى -: (وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[39].

    والفلاح مكسب عظيم للإنسان فهو الفوز بالمطلوب، والنجاة من المرهوب، فلاح في الدنيا، وفلاح في الآخرة، فلاح في الدنيا بالحياة الطيبة، بما فيها من سعة الرزق، وصحة البدن، وأمن في الوطن، وصلاح في الأهل والولد، وغير ذلك الكثير من جوانب الحياة الطيبة. وفوق ذلك كله الفلاح بالآخرة بالفوز بجنة عرضها السماوات والأرض، ورضوان من الله، ولذة النظر إلى وجهه الكريم، ومع ذلك النجاة من العذاب الأليم. فياله من فضل عظيم يحصل عليه الإنسان بقيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    3- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أخص صفات النبي - صلى الله عليه وسلم -:

    الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - التي وصف بها في الكتب المتقدمة، كما في قوله - سبحانه وتعالى -: (الّذِينَ يَتّبِعُونَ الرّسُولَ النّبِيّ الأمّيّ الّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ... )[40]. وتظهر أهمية هذه الصفة إذا علمت أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو مدار رسالة الرسل التي بعثوا من أجلها، فهم يدعون إلى كل خير ويحذرون من كل شر، فهو زبدة الرسالة ومدار البعثة.

    وعن عطاء بن يسار قال: "لقيت عبد الله بن عمرو، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في التوراة قال: أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً)، وحرزاً للأميين أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها أعيناً عمياً، وآذاناً صماً، وقلوباً غلفاً"[41].

    وقال ابن كثير في تفسيره (يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر): "هذه صفة الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الكتب المتقدمة"، وهكذا كانت حاله - عليه الصلاة والسلام -، لا يأمر إلا بخير ولا ينهى إلا عن شر، كما قال عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه-: "إذا سمعت الله يقول: (يا أيها الذين آمنوا) فأرعها سمعك؛ فإنه خير تؤمر به أو شر تنهى عنه"، ومن أهم ذلك وأعظمه ما بعثه الله به من الأمر بعبادته وحده لا شريك له، والنهي عن عبادة من سواه كما أرسل به جميع الرسل قبله، كما قال - تعالى -: (ولقد بعثنا في كل أمّة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)[42].

    وقال ابن سعدي - رحمه الله -: "من أعظم وأجل صفته، ما يدعو إليه، وينهى عنه، وأنه (يأمرهم بالمعروف) وهو كل ما عرف حسنه وصلاحه ونفعه، و(ينهاهم عن المنكر) وهو: كل ما عرف قبحه في العقول، والفطر. فيأمرهم بالصلاة، والزكاة والصوم، والحج، وصلة الأرحام، وبر الوالدين، والإحسان إلى الجار، والمملوك، وبذل النفع لسائر الخلق، والصدق، والعفاف، والبر، والنصيحة، وما أشبه ذلك. وينهى عن الشرك بالله، وقتل النفس بغير الحق، والزنا، وشرب ما يسكر العقل، والظلم لسائر الخلق، والكذب، والفجور، ونحو ذلك". [43]

    فإذا علمت أخي المسلم أن هذه الصفة -(الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)- هي أخص صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - فاعلم أنك مأمور بالاقتداء بنبيك محمد - صلى الله عليه وسلم - إن كنت ترجو الله واليوم الآخر، كما في قوله - سبحانه -: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً)، فاجتهد بالاقتداء به في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تكن من المفلحين كما سبق بيان ذلك.

    4- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أخص صفات المؤمنين:

    كما سبق بيان أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أخص صفات النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو أيضاً أخص أوصاف أتباعه على دينه من المؤمنين، كما وصفهم الله - سبحانه وتعالى – بقوله: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيرحمهم الله إِنّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[44].

    ذكر الله - سبحانه وتعالى - المؤمنين بهذه الصفات الحميدة - أولها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - مثنياً عليهم بها، واعداً لهم بالرحمة عليها، وكان ذكر هذه الصفات بعد صفات المنافقين الذميمة، حيث كانوا ضد ما عليه المؤمنون من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حين قال: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفّارَ نَارَ جَهَنّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مّقِيمٌ)[45]. فاستحق المنافقون والمنافقات على فعلهم هذا من أمرهم بالمنكر ونهيهم عن المعروف أن نسيهم الله أي: ((عاملهم معاملة من نسيهم))[46] وتوعدهم بجهنم، ولعنهم، وأعد لهم عذاباً مقيماً، فنسأل الله السلامة والعافية من هذه الحال.

    وقد ورد وصف المؤمنين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في آيات أخر، منها قوله - تعالى -: (التّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللّهِ وَبَشّرِ الْمُؤْمِنِينَ)[47].

    وقوله - سبحانه وتعالى -: (الّذِينَ إِنْ مّكّنّاهُمْ فِي الأرْضِ أَقَامُواْ الصّلاَةَ وَآتَوُاْ الزّكَاةَ وَأَمَرُواْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْاْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ)[48].

    وقوله - سبحانه وتعالى -: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّه)[49].

    ولو تأملنا هذه الصفات الواردة للمؤمنين في الآيات المذكورة لوجدنا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اقترن بأعظم الأعمال وأجلها، اقترن بالإيمان بالله، وبالصلاة والزكاة ونحوها.

    فمن ذا الذي يرضى لنفسه أن ينسلخ من صفات المؤمنين الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر؟! لا شك أنه لا يوجد مسلم عاقل يريد لنفسه هذه الحال، والإنسان الذي لا يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على إحدى حالين: -

    الأولى: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، وبهذا يكون متشبهاً بالذين كفروا من بني إسرائيل الذين حقت عليهم اللعنة على لسان الأنبياء. [50]

    الثانية: أنه يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف، وهذا فيه شبه من المنافقين السابق ذكرهم في الآية، ويستحق من الجزاء ما ورد في حقهم.

    5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنجاة من الهلاك:

    إنما تهلك المجتمعات، ويحق عليها العذاب، إذا كثر فيها الفساد، وطغى العباد، يقول - سبحانه -: (وإذا أَرَدْنَآ أَن نّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمّرْنَاهَا تَدْمِيراً)[51]. يقول ابن كثير: "سلطنا أشرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب، وهو قوله: (وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها) الآية، وكذا قال أبو العالية ومجاهد والربيع بن أنس". [52]

    والآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر هم سبب نجاة المجتمع من الهلاك الذي ربما أصابه بسبب الذنوب الحاصلة، وتجاوز حدود الله - سبحانه وتعالى - بالمعاصي من ارتكاب المحرمات، والإعراض عن الواجبات، وقد ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك مثلاً بديعاً حين قال: ((مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقاً، ولم نؤذ من فوقنا. فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا))[53].

    والقائم على حدود الله هو المطيع لله، الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، وأما الواقع فيها فهو العاصي الذي لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، وفعله هو سبب هلاك المجتمع، كما أن من خرق السفينة كان سبباً في هلاك كل من كان في السفينة، ولكن إذا وجد في السفينة من يأخذ على يديه ويمنعه من فعله الأحمق كان سبباً في نجاته ونجاة كل من في السفينة، وكذلك إذا وجد في المجتمع من يأخذ على أيدي العصاة فيأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر يكون سبباً في نجاة هذه المجتمع من الهلاك العام الذي يشمل الصالح والطالح، كما يقول الله - سبحانه وتعالى -: (واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب)[54]، وكما في صحيح البخاري من حديث زينب بنت جحش -رضي الله عنها-: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها فزعاً يقول: ((لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه، وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها))، قالت زينب بنت جحش: "فقلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون"؟ قال: ((نعم إذا كثر الخبث))[55].

    ولا يكثر الخبث في مجتمع من المجتمعات إلا إذا قل فيه أهل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    ولقد أشار الله - سبحانه وتعالى - في محكم كتابه إلى طائفة فيما مضى من الزمان كان سبب نجاتها هو النهي عن الفساد في الأرض حين قال - سبحانه -: (فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأرْضِ إِلاّ قَلِيلاً مّمّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتّبَعَ الّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ * وَمَا كَانَ رَبّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىَ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ)[56].

    يقول ابن كثير - رحمه الله تعالى - في تفسيرها: "فهلا وجد من القرون الماضية بقايا من أهل الخير ينهون عما كان يقع بينهم من الشرور والمنكرات والفساد في الأرض، وقوله: (إلا قليلاً) أي قد وجد منهم من هذا الضرب قليل لم يكونوا كثيراً وهم الذين أنجاهم الله عند حلول غضبه وفجأة نقمته، ولهذا أمر الله - تعالى -هذه الأمة الشريفة أن يكون فيها من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر". [57]

    ومما يدل على نجاة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر إذا أراد الله إهلاك الظالمين ما قصه الله - سبحانه وتعالى - علينا في محكم كتابه عن بني إسرائيل حين قال: (وَاسْألْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذَا قَالَتْ أُمّةٌ مّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً... )[58].

    يبين الله - سبحانه وتعالى - في هذه الآيات حال ثلاثة أصناف من بني إسرائيل، حينما نهاهم الله - سبحانه وتعالى - عن الاصطياد في يوم السبت، فصنف: أهملوا النهي وتحايلوا في الاصطياد في هذا اليوم، ووقعوا فيما حرم الله - سبحانه وتعالى - عليهم، وصنف آخر: لم يرتكبوا ما حرم الله عليهم فاعتزلوا ولم يأمروا ولم ينهوا، بل قالوا للمنكرين: (لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً). أما الصنف الثالث: فهم مع اجتنابهم المحرم وامتثال أمر الله - سبحانه وتعالى - فيه، لم يسكتوا على فعل الصنف الأول بل بادروا بالإنكار عليهم ونهيهم عن ارتكاب المحرم محتجين بقولهم: (معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون).

    فماذا كان جزاء كل صنف من هذه الأصناف؟ قال - تعالى -: (فَلَماّ نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوَءِ وَأَخَذْنَا الّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ)[59]، أنجى الله - سبحانه وتعالى - الذين ينهون عن السوء وهم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، وأهلك الله الذين ظلموا وهم الذي وقعوا في الحرام. وأما الذين سكتوا فقد سكت الله - سبحانه وتعالى - عنهم ولم يبين حالهم، وقد اختلف المفسرون في مآلهم[60]. والشاهد أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنجاة إذا نزل العذاب على قوم.

    6- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المكفرات:

    من فضل الله - سبحانه وتعالى - على عباده أن جعل لهم من الأعمال الصالحة ما يكون سبباً لتكفير الذنوب؛ كالصلاة والصوم والحج ونحوها، ومن هذه المكفرات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لما في الصحيحين من حديث حذيفة -رضي الله عنه- قال: "كُنَّا عِنْدَ عُمَرَ -رضي الله عنه- فَقَالَ: أَيُّكُمْ يَحْفَظُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْفِتْنَةِ كَمَا قَالَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: أَنَا، قَالَ: إِنَّكَ لَجَرِيءٌ، وَكَيْفَ؟ قَالَ: قُلْتُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: ((فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَنَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ يُكَفِّرُهَا الصِّيَامُ وَالصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ))، فَقَالَ عُمَرُ: لَيْسَ هَذَا أُرِيدُ، إِنَّمَا أُرِيدُ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ، قَالَ: فَقُلْتُ: مَا لَكَ وَلَهَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا بَابًا مُغْلَقًا، قَالَ: أَفَيُكْسَرُ الْبَابُ أَمْ يُفْتَحُ؟ قَالَ: قُلْتُ: لَا بَلْ يُكْسَرُ، قَالَ: ذَلِكَ أَحْرَى أَنْ لَا يُغْلَقَ"[61].

    ففتنة الرجل التي تحصل له في أهله وولده وجاره هو ما يقع فيه من الإثم بسببهم، إما في التقصير بما لهم من الواجبات، أو الوقوع في سببهم في المحرمات، فالفتنة في الأهل على سبيل المثال تكون في الميل إليهن أو عنهن بالقسمة والإيثار، والفتنة بالولد تقع بالميل الطبيعي إلى الولد وإيثاره على كل أحد، أو الالتهاء بهم عن طاعة الله - سبحانه وتعالى -، والفتنة في الجار تكون على سبيل المثال في التقصير بحقه، ونيله بالأذى. وهذه الفتنة بالمذكورين قلما يسلم منها إنسان، ولذا فإنه من رحمة الله - سبحانه وتعالى - جعل لها أسباباً تكفرها، ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. [62]

    7- أنه يزيد في الإيمان:

    من المعلوم في مذهب أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، وقد بين الإمام مسلم في صحيحه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مما يزيد به الإيمان حين قال: "باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان"، ثم ساق بعده حديث أبي ذر -رضي الله عنه-: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((يصبح على كل سلامى من أحدكم صدقة؛ فكل تسبيحة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى))[63].

    ووجه كونه سبباً في زيادة الإيمان، أنه أحد شعب الإيمان، ثم الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر الذي يبتغي بذلك وجه الله - سبحانه وتعالى - سيحاسب نفسه على ما يأمر به وما ينهى عنه خوفاً من الوعيد الشديد الذي جاء في حديث أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان ما شأنك! أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه))[64]. فيكون بهذا من المسارعين إلى ما يأمر الناس به، ومن المبتعدين عن ما ينهاهم عنه، فيحصل به من زيادة الإيمان الخير الكثير.

    8- الأمر بالمعروف سبب في كسب الأجر الكثير:

    من فضل الله - سبحانه وتعالى - أن جعل هذا العمل العظيم سبباً لحصول الإنسان على ثواب عبادات لم يباشرها، فمن أمر بصلاة مثلاً كان له مثل أجر من صلاها، ومن أمر بصدقة أو صوم أو حج أو نحو ذلك من الطاعات، الواجبات أو المستحبات، كان له من الأجر مثل أجر من فعلها، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم - حين قال: ((من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا))[65]. وكذلك في قوله: ((من دل على خير فله مثل أجر فاعله))[66].

    والأمر بالمعروف دعوة إلى الهدى، و دلالة على الخير، وبالتالي فإن القائم بذلك يحصل من الأجر الشيء العظيم -نسأل الله من فضله-. وأكمل الناس في هذا الجانب نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - فما عملت الأمة من خير إلا بدلالته إياهم.

    وكلما كان الإنسان أنشط في هذا الجانب، كان أكثر نصيباً من الخير الذي يحصل له بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا الأجر الحاصل هو ثواب آخر، لأن الآمر بالمعروف حتى لو لم يستجب له المأمور فإنه مأجور على فعله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    9- في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر نجاة من إثم القول:

    إن اشتغال الإنسان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فوق ما يكسبه من الأجر الكثير والثواب الجزيل، فإنه يكون سبباً في سلامته من إثم القول، ومن عثرات اللسان، وقد قال المولى - سبحانه وتعالى -: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نّجْوَاهُمْ إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَآءَ مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً)[67].

    كما أخبر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - أن كلام ابن آدم عليه لا له إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حين قال: ((كلام ابن آدم عليه لا له إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وذكر الله - عز وجل -))[68].

    وبعد:

    وبعد معرفة هذا الفضل العظيم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن نفس الإنسان المسلم تتطلع لكسب هذا الخير الكثير، من تحقيق الخيرية في النفس، وتحقيق الفلاح في الدنيا والآخرة، والاتصاف بما كان عليه الأنبياء وعباد الله المؤمنون، والنجاة من الهلاك، وتكفير الفتنة في الأهل والولد والجار، وزيادة الإيمان، وتحصيل الأجر الكثير، والسلامة في القول، ونحو ذلك من الفوائد العظيمة للفرد والمجتمع التي لا تعد ولا تحصى، وقبل ذلك كله قياماً بالواجب وتنفيذاً لأمر الله ورسوله –صلى الله عليه وسلم-.

    وبعد معرفة ذلك كله، فماذا عساك تفعل أخي المسلم، هل تزهد في هذا الخير الكثير والأجر الوفير؟! لعل ذلك يكون سبباً في تنشيط نفسك، واستثارة همك، للقيام بهذا العمل العظيم، ففيه صلاحك وصلاح مجتمعك وأمتك.

    وليس هذا فحسب، بل إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما يجلب لك الخير الكثير، فهو أيضاً يدفع عنك من الشرور الشيء العظيم، الذي ينال من ترك الأمر بالمعروف والنهي المنكر، وهذا ما سأذكره لك -بإذن الله- في الصفحات القادمة، وفقك الله لكل خير.

    التحذير من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    علمنا مما سبق ما يترتب على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الخير العظيم، كما علمنا وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فمن ترك هذا العمل فقد ترك واجباً مهماً من واجبات الدين، وعرض نفسه للعذاب الأليم، والخطر العظيم، ومن ذلك على سبيل المثال:-

    1- استحقاق اللعنة:

    وردت اللعنة في كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - على آثام عظيمة -نعوذ بالله من كل سوء-، ومما وردت عليه اللعنة في كتاب الله - سبحانه وتعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما ذكر الله - سبحانه - عن الذين كفروا من بني إسرائيل حين قال: (لُعِنَ الّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِيَ إِسْرَائِيلَ عَلَىَ لِسَانِ داودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ)[69]، وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((... كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدي الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصراً))، وزاد في آخره من وجه آخر: ((أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم))[70].

    2- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لعدم استجابة الدعاء:

    كم يحتاج الإنسان في أيامه، بل في دقائقه ولحظاته، إلى اللجوء إلى ربه - سبحانه وتعالى - ودعائه بحاجاته، والله - سبحانه وتعالى - قريب من عباده كما في قوله - سبحانه -: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلّهُمْ يَرْشُدُونَ)[71]. ولكن الدعاء ربما تعوقه عوائق وترده عوارض، ومن العوائق التي تحول دون الاستجابة: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في سنن ابن ماجة من حديث عائشة قالت -رضي الله عنها-: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يستجاب لكم))[72].

    وفي مسند الإمام أحمد عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعرفت في وجهه أن قد حفزه شيء، فتوضأ ثم خرج، فلم يكلم أحداً، فدنوت من الحجرات، فسمعته يقول: ((يا أيها الناس إن الله - عز وجل – يقول: مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر من قبل أن تدعوني فلا أجيبكم، وتسألوني فلا أعطيكم، وتستنصروني فلا أنصركم))"[73].

    يقول محمد قطب: "وإنه لحق ترجف له النفس فرقاً، ويقشعر الوجدان رعباً، وماذا يبقى للناس إذن؟ ماذا يبقى لهم إذا أوصدت من دونهم رحمة الله؟ ولمن يلجؤون في هذا الكون العريض، وقد أوصد الباب الأكبر الذي توصد بعده جميع الأبواب... ويبقى الإنسان في العراء الشامل الذي لا يستره شيء، ولا يحميه شيء، من لفحة الهاجرة وقسوة الزمهرير؟ ألا إنه لَلهول البشع الذي يتحامى الخيال ذاته أو يتخيله... ؛ لأنه أفضع من أن يطيقه الخيال، السبب الذي يصله بربه قد انقطع، فراح يهوي إلى حيث لا يعلم أحد، ولا يلاحقه خيال.. تتمزق أوصاله.. يتناثر في كل اتجاه.. وكل جزء من نفسه يذوق من الآلام ما لا يطيق؛ (فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق)[74]. ذلك هو المخلوق الذي يدعو الله فلا يجيبه، ويسأله فلا يعطيه، ويستنصره فلا ينصره. فهل كتب الله ذلك الهول البشع على عباده المسلمين الذين يدعونه ويسألونه ويستنصرونه؟ نعم... حين يكفون عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ولو بأضعف الإيمان"[75].

    3- تعريض النفس والغير للعقوبة:

    إن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب في التعرض لعقاب الله - سبحانه وتعالى -، وهذا العقاب ربما كان عاماً، كما في حديث أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-: "يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم) إلى آخر الآية، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيروه أوشك الله أن يعمهم بعقابه))"[76].

    وقال ابن العربي: "وهذا الفقه عظيم، وهو أن الذنوب منها ما يعجل الله عقوبته، ومنا ما يمهل بها إلى الآخرة، والسكوت على المنكر تتعجل عقوبته في الدنيا بنقص الأموال والأنفس والثمرات وركوب الذل والظلمة للخلق"[77].

    وقال بلال بن سعد: "إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا أهلها، وإذا أعلنت ولم تغير ضرت العامة"[78].

    وقال عمر بن عبد العزيز - رحمه الله -: "كان يقال: إن الله - تعالى - لا يعذب العامة بذنب الخاصة، ولكن إذا عمل المنكر جهاراً استحقوا كلهم العقوبة"[79].

    ولاشك أن الإنسان المؤمن يحرص أشد الحرص على اجتناب ما يسبب له عقاب الله - سبحانه وتعالى -، ومن عرض نفسه للعقاب فقد عرض نفسه لخطر عظيم في الدنيا والآخرة، ومن تساهل في عقاب الله - سبحانه وتعالى - فإنما ذلك من جهله بالله الذي وصف عقابه بقوله: (إن ربك لذو مغفرة وذو عقاب أليم)[80]. وقوله: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب)[81]. وقد وصف الله - سبحانه وتعالى - عقابه بالشدة في ثلاثة عشر موضعاً من القرآن الكريم.

    4- إِلف المسلم للمنكرات:

    إن حدوث منكر في مجتمع من المجتمعات يكون في بادئ الأمر مستقبحاً من الجميع، لأنهم لم يألفوه ولم يعتادوه، فضلاً عن كونه أمراً مخالفاً للشرع ومنهياً عنه، ولكن إذا فشا هذا المنكر في المجتمع، ألفه الكبير، وشب عليه الصغير، حتى يرى هذا الأمر عملاً معتاداً وليس منكراً من المنكرات، والواقع يشهد بذلك، في مجتمعنا وفي غيره من المجتمعات، وخذا على سبيل المثال: كيف هي نظرة الناس لشارب الدخان اليوم، مقارنة لها في سابق الزمان.

    ثم تأمل أيضاً في موقف الناس من تبرج النساء، كان في بداية الأمر يستنكر من المرأة أن يظهر منها طرف يدها أو قدمها، ثم استفحل الأمر بعد ذلك وأظهرت اليدين والقدمين، ثم أظهرت الوجه، ثم أظهرت الساقين والذراعين، ثم النحر والشعر، بل أكثر من ذلك، وأصبح هذا الوضع للمرأة في بعض بلاد الإسلام أمراً مألوفاً لكثرته وانتشاره، من قلة إنكاره، فإننا لله وإنا إليه راجعون.

    يقول ابن النحاس: "قد تقوم كثرة رؤية المنكرات مقام ارتكابها في سلب القلب نور التمييز والإنكار، لأن المنكرات إذا كثر على القلب ورودها، وتكرر على العين شهودها ذهبت عظمتها من القلوب شيئاً فشيئاً، إلى أن يراها الإنسان فلا يخطر بباله أنها منكرات، ولا يميز بفكره أنها معاصي، لما أحدث تكرارها من تأليف القلب لها". [82]

    ولقد حكى أبو طالب المكي عن بعضهم أنه مر يوماً في السوق، فرأى بدعة فبال الدم من شدة إنكاره لها بقلبه، وتغير مزاجه لرؤيتها. فلما كان في اليوم الثاني مر فرآها فبال دماً صافياً. فلما كان في اليوم الثالث مر فرآها فبال بوله المعتاد. لأن حدة الإنكار التي أثرت في البدن ذلك الأثر ذهبت، فعاد المزاج إلى حاله الأولى، وصارت البدعة كأنها مألوفة عنده ومعروفة، وهذا أمر لا يمكن جحوده، والله أعلم". [83]

    إذا علم هذا، فلا بدّ أن نعلم أن سبب تفشي منكر من المنكرات في أي مجتمع من المجتمعات إنما هو بسبب عدم إنكاره، أو التقصير في إنكاره.

    5- ترك تغيير المنكر نقص في الإيمان:

    من تكاسل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنما ذلك دليل على ضعف دينه ونقص إيمانه، لما ورد في صحيح مسلم من حديث أبي سعيد –رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))[84].

    وفي صحيح مسلم أيضاً من حديث عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه-: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون، وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل))[85].

    وهذا الحديث يدل على أن من ترك الإنكار حتى في القلب فقد انتفى عنه الإيمان.

    6- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إعانة للعصاة على المعصية:

    من الطبيعي عند الإنسان أنه إذا أراد أن يقدم على عمل مستنكر في مجتمع من المجتمعات، فإنه بالتالي يحسب حساب ردود فعل ذلك المجتمع تجاهه، إما بالعقوبة أو باللوم على الفعل. فإذا علم المقدم على المعصية في المجتمع المسلم ما سيلاقيه من النهي عن المنكر أو العقوبة على فعله، فإن هذا -بإذن الله تعالى - يكون رادعاً له عن ارتكاب تلك المعصية والسلامة منها.

    أما إذا فُقِد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو ضعف، فإن المقدم على المعصية، أو تارك الطاعة، يمضي قدماً في فعله آمناً من الردع والعقوبة، وكما يقولون: "من أمن العقوبة أساء الأدب". وليس هذا فحسب بل إن العاصي يتدرج في معصيته من صغيرة إلى كبيرة فأكبر... وهكذا، وكل ذلك لأنه لم يجد الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، فكان هذا إعانة للعاصي على الوقوع في المعصية.

    7- اندراس معالم الدين وظهور الجهل:

    إن قيام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع فيه حفاظ على معالم الدين، وسبب لظهور الطاعات واختفاء المعاصي والمنكرات، ولكن عندما يفقد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو يضعف في أي مجتمع، فإن معالم الدين تندرس شيئاً فشيئاً فتقل مظاهر الطاعات أو تختفي، ومن ثم ينشأ الناشئة في هذا المجتمع على عدم معرفتها والجهل بها.

    ولو تأملنا في حال بعض المجتمعات التي تنتمي إلى الإسلام في هذا الزمن ممن لا يقام فيهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لوجدنا مدى ما عندهم من الجهل في أمور الدين، فهم لا يعرفون من الإسلام إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه. فربما جهلوا حتى أركان الإسلام، فبعضهم لا يعرف أن الصلاة ركن من أركان الإسلام مثلاً، وإن عرف ذلك، فإنه لا يعرف كيف يؤدي هذا الركن، هذا في شأن الصلاة وما سواها من باب أولى. بل أعظم من ذلك أن بعضهم ربما لا يعرف من هو نبيه. فقد سُئل أحد الشباب في مجتمع من المجتمعات المنتمية للإسلام، من هو نبيك؟ فقال: لا أدري، أعتقد أنه عيسى!!!

    واختفاء مظاهر الدين في المجتمع، وفشو المنكرات فيه هو غربة الدين التي أشار إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((بدأ الإسلام غريباً وسيعود كما بدأ غريباًً فطوبى للغرباء))[86].

    كما أن غياب العلم بأمور الدين وظهور الجهل، وانتشار الفواحش والمنكرات من أشراط الساعة التي أخبر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: ((إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا))[87].

    8- عدم إنكار المنكر سبب في فساد القلب:

    القلب هو مصدر صلاح الجسد وفساده، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))[88]. وهذا القلب الذي يدير الجسد كله له مؤثرات تسبب صلاحه وفساده. ومن عوامل فساد هذه القلب وانتكاسه، وعدم تفريقه بين الحق والباطل، والمعروف والمنكر، هو ترك إنكار المنكر، فمن قصر في إنكار المنكر كان ذلك سبباً في فساد قلبه، كما أخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين قال: ((تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً، فأي قلب أشربها[89] نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مرباداً، كالكوز مجخياً، لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، إلا ما أشرب من هواه))[90].

    فالقلوب في هذا الحديث نوعان: قلب أنكر الفتن فلم يقبلها، فهو مثل الصفا في شدة بياضه من جهة، ومن جهة أخرى فهو صلب لشدته في عقد الإيمان وسلامته من الخلل، وأن الفتن لم تلصق به ولم تؤثر فيه كالصفا - وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء-. [91]

    وأما القلب الآخر فهو القلب الذي لم ينكر المنكر، فتكاثرت عليه النكت السوداء حتى صار أسود مرباداً[92]، منكوساً لا يعلق به خير ولا حكمة، وشبهه بالكوز المنحرف الذي لا يثبت الماء فيه [93].

    وبعد:

    فإذا كان ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على هذه الدرجة من الخطورة مما يلحق الإنسان، استحقاق اللعنة، وعدم استجابة الدعاء، وتعريض النفس والغير للعقوبة، وإلف الناس للمنكرات، ونقص الإيمان، وإعانة للعاصي على المعصية، وفساد القلب، ونحو ذلك من الأضرار التي تصيب الفرد والمجتمع، فهل يسوغ للمسلم بعد هذا كله أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو يتكاسل عنه.

    كما أن الذي يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فوق ما يلحقه من الضرر، فإنه يفوته الخير الكثير الذي سبق ذكر طرف منه فعجباً لمن يفوت على نفسه الخير ويجلب لها الشر، بتركه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    ثم إن المقصر في القيام به ربما غره الشيطان ورأى نفسه أنه معذور بتركه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واعتذر بأعذار هي ليست في الحقيقة أعذاراً تسوغ له ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إنما هي من الشبه التي تعيق الإنسان عن القيام بهذا العمل العظيم، وهذه الشبه هي ما سأتحدث عنه -بإذن الله- في الصفحات القادمة مع الرد عليها، والله المستعان.

    شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    هناك بعض الأمور التي يعدها بعض الناس عوائق أمام قيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي في الحقيقة ليست أموراً عائقة أمام هذا العمل العظيم، ولكن الشيطان يضخمها في نفوس بعض الناس ليصدهم بذلك عن هذا الأمر الجليل الذي فيه صلاح البلاد والعباد، ومن هذه الشبه ما يلي:-

    الشبهة الأولى: لا يضرنا ضلال الضالين:

    يقول بعض الناس إن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما ينتج عن ذلك من ضلال الآخرين، لا يضرنا ما دمنا نؤدي شعائر ديننا ونقوم بما أوجبه الله علينا، ويستدلون على شبهتهم هذه بقوله - سبحانه وتعالى -: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرّكُمْ مّن ضَلّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[94].

    الرد على الشبهة:

    لقد أبطل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- صحة الاستدلال على هذه الشبهة بالآية المذكورة كما في مسند الإمام أحمد من حديث قيس بن حازم قال: "قام أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم..) وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيروه، يوشك الله - عز وجل - أن يعمهم بعقابه))"[95].

    وقال ابن كثير - رحمه الله تعالى -: "يقول - تعالى - آمراً عباده المؤمنين أن يصلحوا أنفسهم، ويفعلوا الخير بجهدهم وطاقتهم، ومخبراً لهم أنه من أصلح أمره لا يضره فساد من فسد من الناس، سواء كان قريباً منه أو بعيداً... وليس فيها دليل على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا كان فعل ذلك ممكناً"[96].

    فهذا يدل على بطلان الاستدلال بهذا الدليل على ترك الأمر بالمعروف والنهي إن المنكر، والاقتصار على النفس، وبطلان هذا الاستدلال يتبين من وجوه أهمها:-

    1- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من لوازم الاهتداء:

    لقد شرط الله - سبحانه وتعالى - الاهتداء في عدم ضرر ضلال من ضل، ولا يكون الإنسان مهتدياً إلا إذا قام بما أوجب الله - سبحانه وتعالى - عليه فضلاً أن يكثر من التقرب إليه بالنوافل فهذه من صفات المهتدين، أما إذا ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد ترك واجباً من أعظم واجبات الدين، فيفوته من وصف الاهتداء بقدر ما تركه؟!

    قال القرطبي في قوله: (إِذَا اهْتَدَيْتُمْ): "والهدى هنا هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله أعلم". [97]

    وعن سعيد بن المسيب: (لاَ يَضُرّكُمْ مَنْ ضَلّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ) قال: "إذا أمرتَ بالمعروف ونهيت عن المنكر، لا يضرّك من ضلّ إذا اهتديت". [98]

    وعن حذيفة: (عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرّكُمْ مَنْ ضَلّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ) قال: "إذا أمرتم ونهيتم". [99]

    وعن السديّ: (يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرّكُمْ مَنْ ضَلّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ) يقول: "مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر". قال أبو بكر -رضي الله عنه-: "يا أيها الناس لا تغترّوا بقول الله: (عَليكُمْ أنْفُسَكُم..) فيقول أحدكم: عليّ نفسي. والله لتأمرنّ بالمعروف وتنهونّ عن المنكر أو لتستعملنّ عليكم شراركم فليسومنكم سوء العذاب، ثم ليدعون الله خياركم فلا يستجيب لهم". [100]

    ويقول ابن جرير الطبري: "لا يضرّكم ضلال من ضلّ إذا أنتم لزمتم العمل بطاعة الله، وأدّيتم فيمن ضلّ من الناس ما ألزمكم الله به فيه من فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يركبه أو يحاول ركوبه، والأخذ على يديه إذا رام ظلماً لمسلم أو معاهد ومنعه منه فأبى النزوع عن ذلك، ولا ضير عليكم في تماديه في غيه وضلاله إذا أنتم اهتديتم وأدّيتم حقّ الله - تعالى - فيه... لأن الله - تعالى - أمر المؤمنين أن يقوموا بالقسط، ويتعاونوا على البرّ والتقوى، ومن القيام بالقسط: الأخذ على يد الظالم، ومن التعاون على البرّ والتقوى: الأمر بالمعروف. وهذا مع ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أمره بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو كان للناس تَرْك ذلك، لم يكن للأمر به معنى إلا في الحال التي رخص فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك ذلك، وهي حال العجز عن القيام به بالجوارح الظاهرة فيكون مرخصاً له تركه إذا قام حينئذ بأداء فرض الله عليه في ذلك بقلبه"[101].

    وقال ابن المبارك قوله - تعالى -: (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ): "خطاب لجميع المؤمنين، أي عليكم أهل دينكم كقوله - تعالى -: (وَلاَ تَقْتُلُوَاْ أَنْفُسَكُمْ) فكأنّه قال: ليأمر بعضكم بعضاً، وليْنَه بعضكم بعضاً، فهو دليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يضركم ضلال المشركين والمنافقين وأهل الكتاب، وهذا لأن الأمر بالمعروف يجري مع المسلمين من أهل العصيان". [102]

    2- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكون إلا في حالات خاصة:

    ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون سائغاً عندما تكثر المنكرات وتعم، ويكون الأمر والنهي وقتها غير نافع، فحينئذ لا يضر ضلال الضالين، كما في سنن الترمذي من حديث أبي أمية الشعباني قال: "أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قول الله - تعالى -: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم..) قال: أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم – فقال: ((بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوى متبعاً، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك، ودع العوام، فإن من ورائكم أياماً، الصابر فيهن مثل القابض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلاً يعملون كعملكم))، قال عبد الله بن المبارك: وزاد غير عتبة، قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلاً منا أو منهم؟ قال: ((بل أجر خمسين منكم))"[103].

    كما سأل رجلٌ ابن مسعود -رضي الله عنه- عن قول الله: (عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم..)، فقال: "إن هذا ليس بزمانها، إنها اليوم مقبولة، ولكنه قد أوشك أن يأتي زمانها، تأمرون فيصنع بكم كذا وكذا -أو قال:- فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل"[104].

    وكذلك ما ورد عن ابن عمر -رضي الله عنهما- فيما يرويه سوار بن شبيب، قال: "كنت عند ابن عمر إذ أتاه رجل جليد العين شديد اللسان، فقال: يا أبا عبد الرحمن، نفر ستة كلهم قد قرأ القرآن فأسرع فيه، وكلهم مجتهد لا يألو، وكلهم بغيض إليه أن يأتي دناءة، وهم في ذلك يشهد بعضهم على بعض بالشرك، فقال رجل من القوم: وأي دناءة تريد أكثر من أن يشهد بعضهم بالشرك؟ فقال رجل: إني لست إياك أسأل، إنما أسأل الشيخ، فأعاد على عبد الله الحديث، فقال عبد الله: لعلك ترى - لا أبالك - إني سآمرك أن تذهب فتقتلهم، عظهم وانههم، وإن عصوك فعليك بنفسك، فإن الله - عز وجل – يقول: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم..) الآية". [105]

    وعن جبير بن نفير قال: "كنت في حلقة فيها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإني لأصغر القوم، فتذاكروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقلت أنا: أليس الله يقول في كتابه: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم..)؟ فأقبلوا عليّ بلسان واحد، وقالوا: تنزع آية من القرآن لا تعرفها ولا تدري ما تأويلها؟ فتمنيت أني لم أكن تكلمت، وأقبلوا يتحدثون، فلما حضر قيامهم قالوا: إنك غلام حدث السن، وإنك نزعت آية ولا تدري ما هي، وعسى أن تدرك ذلك الزمان، إذا رأيت شحاً مطاعاً، وهوىً متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، لا يضرك من ضل إذا اهتديت". [106]

    وقال القرطبي: "يجوز أن يكون أريد به الزمان الذي يتعذر فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فينكر بقلبه، ويشتغل بإصلاح نفسه". [107]

    3- التوعد بالعقاب لمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    ويدل على ذلك ما ورد عن قيس بن أبي حازم عن قيس بن أبي حازم، قال: "صعد أبو بكر المنبر، منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إنكم لتتلون آية من كتاب الله، وتعدّونها رخصة والله ما أنزل الله في كتابه أشدّ منها: (يا أيّها الّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرّكُمْ مَنْ ضَلّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ)، والله لتأمرنّ بالمعروف، ولتنهونّ عن المنكر، أو ليعمنكم الله منه بعقاب". [108]

    الشبهة الثانية: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب التقصير:

    يقول بعض الناس: لا ينبغي لي أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأنا مقصر في فعل المأمور به، وترك المنهي عنه، ويستدل على قوله هذا بالكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله - سبحانه وتعالى -: (أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ)[109].

    وقوله: (يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * إِنّ اللّهَ يُحِبّ الّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنّهُم بُنْيَانٌ مّرْصُوصٌ)[110].

    ومن السنة ما رواه أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان، ما شأنك! أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه))[111].

    الرد على الشبهة:

    1- الوعيد على ترك المعروف وليس على الأمر بالمعروف:

    لا شك أن في الآيات والحديث تهديداً ووعيداً شديداً، ولكن لنتأمل من هو الذي يستحق التهديد والوعيد المذكور في الآيات والحديث.

    إن الذم في الآية الأولى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم...)؛ إنما هو على ترك البر لا على الأمر بالبر، كما يقول ابن كثير في ذلك: "وليس المراد ذمهم على أمرهم بالبر مع تركهم له، فإن الأمر بالمعروف معروف وهو واجب على العالم، ولكن الواجب والأولى بالعالم أن يفعله مع من أمرهم به ولا يتخلف عنهم..."[112].

    وقال القرطبي في تفسير قوله - تعالى -(أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرّ) الآية: "اعلم وفّقك الله - تعالى - أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر، ولهذا ذمّ الله - تعالى - في كتابه قوماً كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون بها وبخهم به توبيخاً يُتْلَى على طول الدهر إلى يوم القيامة".

    وفي حديث أسامة -رضي الله عنه- نجد أن الآمر والمأمور اجتمعا في النار، فالمأمور لأنه لم يمتثل ما أُمر به، والآمر لأنه لم يفعل ما يأمر الناس به، ولم يجتنب ما ينهاهم عنه. قال الطبري: "فإن قيل: كيف صار المأمورون بالمعروف في حديث أسامة المذكور في النار؟ الجواب: أنهم لم يمتثلوا ما أمروا به، فعذبوا بمعصيتهم، وعذب أميرهم بكونه يفعل ما ينهاهم عنه"[113].

    وليس دخوله النار لمجرد أمره ونهيه، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الطاعات التي يستحق المسلم عليها ثواباً لا عذاباً.

    2- ترك أحد الواجبين ليس مسوغاً لترك الواجب الآخر:

    فيما يتعلق بالمعروف والمنكر هناك واجبان على المسلم هما:-

    1- فعل المعروف واجتناب المنكر.

    2- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    فإذا حصل أن الإنسان قصر في أحد الواجبين فليس ذلك مخولاً له أن يقصر في الواجب الثاني. فإذا كان على سبيل المثال مقصراً في الصلاة، فإنه يلزمه الأمر بها.

    وكذلك في جانب المنكر، إذا كان يأكل الربا مثلاً، فإن يلزمه النهي عن أكل الربا.

    وفي هذا يقول الإمام النووي: "قال العلماء: ولا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال ممتثلاً ما يأمر به، مجتنباً ما ينهى عنه، بل عليه الأمر وإن كان مخلاً بما يأمر به، والنهي وإن كان متلبساً بما ينهى عنه فإنه يجب عليه شيئان، أن يأمر نفسه وينهاها، ويأمر غيره وينهاه، فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر"[114].

    وقال ابن كثير - رحمه الله تعالى-: "فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء من السلف والخلف، وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها وهذا ضعيف، وأضعف منه تمسكهم بهذه الآية فإنه لا حجة لهم فيها، والصحيح: أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه"[115].

    ولا شك أن أنفع الناس في أمره ونهيه، وأحسنهم في دعوته من كان ممتثلاً ما يأمر به، مجتنباً ما ينهى عنه، كما هي حال المرسلين، كما قال شعيب - عليه السلام -: (وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىَ مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلاّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ)[116].

    ويقول أبو الدرداء -رضي الله عنه-: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتاً"[117].

    وفي هذا قال أبو الأسْود الدّؤَليّ:

    لا تَنْهَ عن خُلقٍ وتأتيَ مثلَه *** عارٌ عليك إذا فعلتَ عظيمُ

    وابدأ بنفسك فانهها عن غيّها *** فإن انتهتْ عنه فأنت حكيمُ

    فهناك يُقبَل إن وَعظتَ ويُقتَدى *** بالقول منك وينفع التعليمُ [118]

    3- الأخذ بهذه الشبهة تعطيل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

    إن الأخذ بهذه الشبهة يلزم منه أن يكون الآمر والناهي معصوماً، فاعلاً لكل ما يأمر به، منتهياً عن ما كل ما ينهى عنه، وهذه درجة صعبة لا يبلغها إلا المرسلون، وبالتالي لا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى أحد عن منكر بعد المرسلين.

    قال مالك عن ربيعة: سمعت سعيد بن جبير يقول: "لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر". قال مالك: "وصدق من ذا الذي ليس فيه شيء؟"[119].

    وقال الحسن لمطرّف بن عبد اللّه: "عِظ أصحابك"، فقال: "إني أخاف أن أقول ما لا أفعل"، قال: "يرحمك الله! وأيّنا يفعل ما يقول! ويودّ الشيطان أنه قد ظَفِر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر"[120].

    وقال ابن حجر في الفتح: "وأما من قال: لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة، فإن أراد أنه الأولى فجيد، وإلا فيستلزم سد باب الأمر بالمعروف إذا لم يكن هناك غيره"[121].

    الشبهة الثالثة: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بسبب عدم الاستجابة:

    يقول بعض الناس: إن الناس لا يستجيبون للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فلا فائدة إذاً للقيام بهذه العمل.

    الرد على الشبهة:

    1- من الأنبياء من لم يستجب له أحد:

    لا شك أن الأنبياء والرسل أكمل الناس في جانب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهي المهمة الأساسية التي بعث الله - سبحانه وتعالى - من أجلها، ومع ذلك واجهوا من أقوامهم ما واجهوا من الصد والعناد، حتى أن بعضهم لم يؤمن له أحد، كما أخبر بذلك المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عنه ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((عرضت علي الأمم فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط، والنبي ليس معه أحد، حتى رفع لي سواد عظيم قلت: ما هذا! أمتي هذه؟ قيل: بل هذا موسى وقومه، قيل: انظر إلى الأفق فإذا سواد يملأ الأفق، ثم قيل لي: انظر هاهنا وهاهنا في آفاق السماء فإذا سواد قد ملأ الأفق، قيل: هذه أمتك... "[122].

    ففي هذا الحديث بيان لأتباع الأنبياء الذين يدخلون معهم الجنة، ومنهم النبي وليس معه أحد من الناس، أي لم يستجب له أحد، وهذا لا يعني أنه لم يبلغهم دعوة الله - سبحانه وتعالى -، ولم يأمرهم وينههم، لا. بل أمرهم ونهاهم، ولكنهم لم يستجيبوا.

    2- ليس الواجب أن يستجيب الناس:

    إذا تأملنا توجيه رب العالمين لنبينا وحبيبنا محمد - صلى الله عليه وسلم - قدوتنا في الأمر والنهي، وجدنا أن الله - سبحانه وتعالى - لم يكلفه باستجابة الناس له، إنما كلفه بتبليغ الدعوة، في مثل قوله: (فَإِن تَولّيْتُمْ فَإِنّمَا عَلَىَ رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ)[123]، قال ابن كثير - رحمه الله تعالى-: "أي إن نكلتم عن العمل فإنما عليه ما حمل من البلاغ وعليكم ما حملتم من السمع والطاعة، قال الزهري: من الله الرسالة وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم"[124].

    ومما يؤكد أن مهمة الرسول هي البلاغ قوله - سبحانه -: (وَمَا عَلَى الرّسُولِ إِلاّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ)[125]. وأما الهداية الحقيقية فهي إلى الله - سبحانه وتعالى - كما في قوله: (لّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ)[126].

    وفي أصحاب السبت من بني إسرائيل لما أنكرت طائفة على الواعظين بقولهم: (لم تعظون قوماً الله مهلكهم أو معذبهم عذاباً شديداً). أجاب الواعظون بقولهم: (معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون)، قال القاسمي في تفسيره: "على أن النهي عن المنكر لا يسقط، ولو علم المُنِكر عدم الفائدة فيه. إذ ليس من شرطه حصول الامتثال منه"[127]. ولو لم يكن فيه إلا القيام بركن عظيم من أركان الدين، والغيرة على حدود الله، والاعتذار إليه -تعالى- إذا تشدد في تركه لكفاه فائدة"[128].

    3- كسب الثواب والنجاة من العقاب:

    إن ثمرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تقتصر على استجابة الناس فحسب فيتوقف القيام به على الاستجابة، بل يترتب عليه مصالح عديدة تدعو المسلم للقيام به، ولو لم يلق استجابة من الناس، فمن ذلك ما يترتب عليه من الأجر العظيم لمن قام به، فقد وصفهم الله بالفلاح حين قال: (وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)[129].

    ويتعلق به أيضاً النجاة من العذاب الذي يصيب العصاة، وربما أصاب معهم غيرهم من الساكتين الذين لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر، كما في قوله - سبحانه -: (فَلَماّ نَسُواْ مَا ذُكّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُوَءِ وَأَخَذْنَا الّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ)[130].

    وكذا ما يرجى من براءة ذمته بامتثال أمر الله - عز وجل -.

    إذن فالأجر والعظيم والسلامة من الإثم كافيان في دفع الإنسان للقيام بهذا العمل العظيم دون النظر لاستجابة الناس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    4- الحكم على الناس بعدم الاستجابة حكم خاطئ:

    من ذا الذي يستطيع الحكم على الناس بعدم الاستجابة؟! وإن قال: لقد أمرتهم أو نهيتهم مرتين أو ثلاثاً أو أكثر من ذلك، فإن الاستجابة ربما لا تكون إلا بعد مرار وتكرار، وزمن طويل. فإن الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يحتاج إلى نفس طويل وصبر على المدعوين، فإن الاستعجال في النتائج، وعدم الصبر على المدعوين من الآفات التي يصاب بها بعض الدعاة. ولنا في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة، فقد مكث وقتاً يدعو قومه إلى الله ويأمرهم وينهاهم، حتى أظهر الله الدين وأعز المسلمين.

    كما يجب أن لا يغيب عن أذهاننا أن استجابة الناس من أمور الغيب التي تخفى على الناس، فكيف لنا أن نحكم بالأمور الغيبية. فإن الله - سبحانه وتعالى - لا يظهر على غيبه أحداً إلا من ارتضى من رسول، كما في قوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَىَ غَيْبِهِ أَحَداً * إِلاّ مَنِ ارْتَضَىَ مِن رّسُولٍ... )[131]، فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه لأن الرسل مؤيدون بالمعجزات، ومنها الإخبار عن بعض الغائبات. ومن الغيب الذي يمكن أن يطلع عليه رسوله هو عدم استجابة قومه للدعوة كما أوحى الله - سبحانه - إلى نوح حين قال: (وَأُوحِيَ إِلَىَ نُوحٍ أَنّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلاّ مَن قَدْ آمَنَ فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ)[132]. وأما عامة الناس فليس لهم طريق إلى التيقن من عدم استجابة الناس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    ومن الأمور التي يجب أن لا ننساها في هذا الجانب أن الإنسان ربما أصر على ترك المعروف، أو على فعل المنكر زمناً طويلاً، فيفتح الله عليه، ويغير حاله، ويمتثل الأمر والنهي، فإن قلب الإنسان في الغالب لا يبقى على حال، وما سمي القلب قلباً إلا لكثرة تقلبه، وقد أخبر المصطفى - صلى الله عليه وسلم - عن تقلب قلب بني آدم حين قال: ((إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء))، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك))[133].

    ثم أن ثمرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليست مقصورة على شكل معين، كاستجابة المنصوح مثلاً، بل تتعدد أشكالها، فربما كانت بتقليل الشر، أو بدفع شر قادم، أو نحو ذلك من الأمور التي هي ثمرة حسنة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    الشبهة الرابعة: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقلة العلم:

    يقول بعض الناس: أنا لا ينبغي لي أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، لأنني لست من أهل العلم الذين يسوغ لهم ذلك.

    الرد على الشبهة:

    1- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على قدر العلم:

    صحيح أنه لا بدّ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من العلم بالمأمور به والمنهي عنه، حتى يكون الأمر والنهي على بصيرة، ولكن أي درجة من العلم يحتاجها الآمر والناهي؟

    لا شك أن الناس متفاوتون فيما عندهم من العلم بالله وبدين الله، وكلما كان الإنسان أعلم، كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حقه ألزم. ولا يتصور أن مسلماً ليس عنده من العلم بالله وبدين الله ولو الشيء اليسير، فكل يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حقه واجباً على قدر ما عنده من العلم.

    والعلم المطلوب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتوقف على نوع المأمور به، والمنهي عنه، فهناك أمور من المعروف معلومة من الدين بالضرورة، لا تحتاج إلى مزيد من العلم حتى يجادل الإنسان ويحاج بها. يقول الإمام النووي: "إنما يأمر وينهى من كان عالماً بما يأمر به وينهى عنه، وذلك يختلف باختلاف الشيء، فإن كان من الواجبات الظاهرة، والمحرمات المشهورة؛ كالصلاة، والصيام، والزنا، والخمر ونحوها، فكل المسلمين علماء بها، وإن كان من دقائق الأفعال والأقوال، ومما يتعلق بالاجتهاد، لم يكن للعوام مدخل فيه، ولا لهم إنكاره، بل ذلك للعلماء"[134].

    فعلى سبيل المثال: إذا رأيت تارك الصلاة، هل يحتاج أمرك له، بأداء الصلاة إلى كثير علم؟ لا، بل يكفي للأمر في هذه الحال أن يعرف أن الصلاة من أركان الإسلام، ولا يقوم الإسلام إلا بها.

    وكذلك من رأى مسلماً يأكل ويشرب في نهار رمضان من غير عذر، فهذا منكر بين لا يحتاج إلى كثير علم، فمن المعلوم لدى كل مسلم أن الصيام من أركان الإسلام، وأن الإنسان يجب عليه الإمساك عن الطعام والشراب وجميع المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. وفي هذه الحالة وأمثالها يجب الإنكار ولو لم يكن لديه كثير علم.

    وما يحصل في الأسواق من المنكرات من تبرج النساء، والمعاكسات ونحوها، منكر ظاهر ومعروف لعامة الناس، فهل إنكار مثل هذه الأمور يحتاج إلى كثير علم؟ معلوم أن المرأة المسلمة مأمورة بالتستر والاحتشام، ومخالفة ذلك مخالفة لشرع الله - سبحانه وتعالى -، وارتكاب لمنكر يحتاج إلى إنكار. وغير ذلك الكثير من المنكرات الظاهرة، والمعروفة لعامة الناس، فإنكارها واجب على المتعلم وغير المتعلم، وليست قلة العلم عذراً في عدم إنكار مثل هذه الأمور.

    2- حال حديثي الإسلام في الأمر والنهي:

    لقد كان بعض صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمجرد أن يسلموا ويتعلموا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأمور الضرورية، يأمرهم - عليه الصلاة والسلام -، بدعوة قومهم وأمرهم ونهيهم، ومن ذلك قصة إسلام أبي ذر -رضي الله عنه-، حيث قال له رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: ((فهل أنت مبلغ عني قومك عسى الله أن ينفعهم بك ويأجرك فيهم))؟ قال أبو ذر: "فأتيت أنيساً فقال: ما صنعت؟ قلت: صنعت أني قد أسلمت وصدقت. قال: ما بي رغبة عن دينك، فإني قد أسلمت وصدقت، فأتينا أمنا، فقالت: ما بي رغبة عن دينكما، فإني قد أسلمت وصدقت، فاحتملنا، حتى أتينا قومنا غفاراً، فأسلم نصفهم..." [135].

    فأبو ذر -رضي الله عنه- لم يمكث عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى يتعلم منه الشيء الكثير، بل بمجرد إسلامه، وتعلمه الأمور الضرورية، تعلم منه الصلاة والوضوء كما في الرواية الثانية[136]، دعا أخاه وأمه، ثم دعا قومه بعد أن رجع إليهم، وكانت النتيجة أن أسلم نصفهم، والنصف الآخر أسلم بعد هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة كما في تتمة الحديث المذكور.

    ومن هذا الباب أيضاً قصة مالك بن الحويرث –رضي الله عنه- ومن معه من الشباب، الذين أمرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يرجعوا إلى أهليهم فيعلموهم ويأمروهم، كما يحدث مالك بن الحويرث -رضي الله عنه- فيقول: "أتينا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحن شببة متقاربون، فأقمنا عنده عشرين يوماً وليلة، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحيماً رفيقاً، فلما ظن أنا قد اشتهينا أهلنا، أو قد اشتقنا، سألنا عمن تركنا بعدنا؟ فأخبرناه، قال: ((ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم، ومروهم -وذكر أشياء أحفظها، أو لا أحفظها-، وصلوا كما رأيتموني أصلي، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم))"[137].

    3- الأخذ بهذه الشبهة تعطيل للأمر والنهي:

    لو كان لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا العلماء وطلبة العلم، لتعطل هذا العمل الجليل، لأن العلماء وطلبة العلم في المجتمع قليل، وبالتالي فإنهم لن يحيطوا بالمعروف المتروك ليأمروا به، ولن يحيطوا بالمنكر المرتكب فينهوا عنه، فيبقى الأمر والنهي في المجتمع في دائرة ضيقة.

    ولكن إذا حرص كل مسلم على القيام بواجبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب قدرته، وما عنده من العلم، كان في ذلك زيادة في الخيرات، ودفعاً للمنكرات، وتنفيذاً لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم – القائل: ((من رأى منكم منكراً فليغيره بيده... ))[138] الحديث، ففي هذا تكليف لعامة المسلمين في تغيير المنكر لمن رآه، وليس مقصوراً على أهل العلم فحسب.

    وبعد:

    فإن هذه الشبه وأمثالها مما يزينه الشيطان للإنسان بأن هذه الأمور من الأعذار التي تبيح له ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالشيطان وأعوانه يدعون إلى إشاعة المنكر بين المسلمين، فقد قال المولى - سبحانه وتعالى - محذراً عباده من الشيطان: (يَأَيّهَا النّاسُ كُلُواْ مِمّا فِي الأرْضِ حَلاَلاً طَيّباً وَلاَ تَتّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ إِنّهُ لَكُمْ عَدُوّ مّبِينٌ * إِنّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسّوَءِ وَالْفَحْشَآءِ وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)[139].

    كما توعد الله - سبحانه وتعالى - أعوان الشيطان، وهم الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا حين قال: (إِنّ الّذِينَ يُحِبّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الّذِينَ آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدّنْيَا والآخرةِ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)[140].

    ولكن الإنسان المؤمن، الذي يطلب رضاء ربه، ويحمل همَّ هذا الدين، ويسعى لصلاح المسلمين، بالحث على الخيرات، والتحذير من المنكرات، لا يستسلم لمثل هذه الشبه والعوائق التي تعوق مسيرته في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا ترده الصعاب، ولا الشدائد الصلاب، ولا يخشى في الله لومة لائم؛ (وَالّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنّ اللّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)[141].

    الخاتمة:

    وبعد الوقوف على شيء من مما يثير الهمم، ويستحث العزائم من فضل هذه الشعيرة العظيمة، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يترتب على فعله من الخير العظيم، والنفع العميم للفرد والمجتمع، فبه تتحقق لهذه الأمة الخيرية، وهو سبب الفلاح في الدارين، واقتداء برسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وهو سبب للنجاة من الهلاك الذي ورد فيه الوعيد على من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما في القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من زيادة الإيمان، وتكفير السيئات، وإجابة الدعوات، والاشتغال فيه سبب لسلامة القول وصلاح العمل.

    وفي المقابل فإن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب في استحقاق اللعنة -نعوذ بالله من ذلك-، وسبب لمنع إجابة الدعاء، وتعريض للنفس والغير للعقوبة، وسبب لإلف المنكرات والاستهانة بها، وهو أيضاً إعانة للعصاة على المعصية، واندراس معالم الدين وظهور الجهل، وفوق ذلك كله سبب لفساد القلب الذي به يفسد الجسد كله.

    وبعد هذا كله لعل النفوس تتيقظ لهذا الأمر العظيم، فمن كان محسناً فيه فليزدد إحساناً بالجد والاجتهاد في القيام به، ومن كان مقصراً فليتأمل في حاله وليحاسب نفسه، ويلحق بإخوانه العاملين، والرجال المخلصين، والله الهادي والموفق إلى سبيل الرشاد، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

    ـــــــــــــــــــــ

    [1] الجوهري، الصحاح (4/1401). وابن منظور، لسان العرب (9/236-243). والفيروز أبادي، القاموس المحيط (3/173). وإبراهيم أنيس ورفاقه، المعجم الوسيط (ص 595).

    [2] ابن منظور، لسان العرب (9/240).

    [3] الجرجاني، التعريفات (ص 221).

    [4] البيانوني، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص 7. ط2) (دار السلام للنشر والتوزيع).

    [5] الجوهري، الصحاح (2/837). وابن منظور، لسان العرب (5/232-234).

    [6] ابن منظور، لسان العرب (5/233).

    [7] ابن سعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1 /406).

    [8] الشهاوي، الحسبة في الإسلام (ص 9). (مكتبة دار العروبة، القاهرة، 1382).

    [9] الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/132).

    [10] شرح صحيح مسلم (2/22).

    [11] سورة آل عمران، جزء من الآية (104).

    [12] أحكام القرآن (1/292).

    [13] أحكام القرآن (2/592).

    [14] سورة آل عمران، الآية (104).

    [15] فتح القدير (1/368).

    [16] معاني القرآن وإعرابه، أبو إسحاق إبراهيم بن السري بن سهل الزجاج (1/462، 463)، تحقيق د. عبد الجليل عبده شلبي. (المكتبة المصرية، بيروت).

    [17] سورة الحج، الآية (30).

    [18] معالم التنزيل (2/84. ط1) (دار طيبة، الرياض، 1409).

    [19] القائل هو القرطبي نفسه.

    [20] الجامع لأحكام القرآن (4/106).

    [21] يقصد قوله - تعالى -: (وَلْتَكُن مّنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

    [22] أحكام القرآن (1/292).

    [23] أحكام القرآن، (2/35). (المطبعة البهية، مصر، 1347ه).

    [24] مجموع الفتاوي، جمع وترتيب عبد الرحمن بن محمد بن قاسم (28/125).

    [25] شرح صحيح مسلم (2/23).

    [26] انظر: تنبيه الغافلين: (ص 47-62، 97-99). وانظر: أصول الدعوة (ص 189، 191). (دار عمر بن الخطاب للنش والتوزيع، الإسكندرية).

    [27] سورة المائدة، الآيتان (78، 79).

    [28] سورة المائدة، الآيتان (62، 63).

    [29] تفسير القرآن العظيم (2/75).

    [30] تفسير القرطبي (6/153).

    [31] سورة آل عمران، الآية (21).

    [32] تفسير القرطبي (4/31).

    [33] سورة آل عمران، الآية (110).

    [34] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن (4/109).

    [35] انظر: المرجع السابق (4/110، 111).

    [36] تفسير ابن كثير (1/397).

    [37] رواه أحمد في مسنده (6/432).

    [38] تفسير ابن سعدي (1/409).

    [39] سورة آل عمران، الآية (104).

    [40] سورة الأعراف، الآية (157).

    [41] أخرجه البخاري، الجامع الصحيح، كتاب البيوع، حديث رقم (2125).

    [42] سورة النحل (36).

    [43] تفسير ابن سعدي (2/100).

    [44] سورة التوبة، الآية (71).

    [45] سورة التوبة، الآيتان (67، 68).

    [46] ابن كثير، تفسير القرآن العظيم (2/269).

    [47] سورة التوبة، الآية (112).

    [48] سورة الحج، الآية (41).

    [49] سورة آل عمران، الآية (110).

    [50] وسيأتي تفصيل ذلك إن شاء الله.

    [51] سورة الإسراء، الآية، (16).

    [52] تفسير القرآن العظيم (3/34).

    [53] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الشركة، حديث رقم (2493).

    [54] سورة الأنفال، الآية (25).

    [55] كتاب أحاديث الأنبياء، حديث رقم (3346).

    [56] سورة هود، الآيتان (116، 117).

    [57] تفسير ابن كثير (2/465).

    [58] سورة الأعراف، الآيتان (163، 164).

    [59] سورة الأعراف، الآية (165).

    [60] انظر: تفسير ابن كثير (2/258، 259).

    [61] أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، حديث رقم (525). ومسلم - واللفظ له- كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث رقم (144).

    [62] انظر: ابن حجر، فتح الباري (6/605).

    [63] أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، حديث رقم (720).

    [64] أخرجه البخاري.، الجامع الصحيح، كتاب بدء الخلق، حديث رقم (720).

    [65] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العلم، حديث رقم (2674).

    [66] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، حديث رقم (1893).

    [67] سورة النساء، الآية 114.

    [68] أخرجه ابن ما جة في سننه، كتاب الفتن، حديث رقم 3974.

    [69] سورة المائدة، الآيتان (78، 79).

    [70] السنن، كتاب الملاحم، حديث رقم (4336).

    [71] سورة البقرة، الآية (186).

    [72] أخرجه الإمام أحمد في المسند، حديث رقم (22816)، والترمذي في السنن، كتاب الفتن، حديث رقم (2169). وابن ماجة في السنن، كتاب الفتن، حديث رقم (4004). وهذا لفظ ابن ماجة. وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة، حديث رقم (3235).

    [73] مسند الإمام أحمد، حديث رقم (24727).

    [74] سورة الحج، الآية (31).

    [75] انظر: قبسات من الرسول (ص 53، 54)، دار الشروق. ود. عبد العزيز المسعود، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (1/237، 238).

    [76] أخرجه الإمام أحمد في المسند، برقم (17). وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح".

    [77] عارضة الأحوذي لشرح صحيح الترمذي (9/15).

    [78] أبو نعيم، حلية الأولياء (5/222)، وقال رواه ابن المبارك عن الأوزاعي. وابن المبارك في الزهد رقم (1350). (دار الكتب العلمية، بيروت).

    [79] موطأ الإمام مالك (1820). والزهد لابن المبارك رقم (1351). ومسند الحميدي (1/131). (دار الكتب العلمية بيروت).

    [80] سورة فصلت، الآية (43).

    [81] سورة الأنفال، الآية (25).

    [82] تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين (ص 105، 106). (دار الكتب العلمية، بيروت)

    [83] ابن النحاس، تنبيه الغافلين عن أعمال الجاهلين (ص 106).

    [84] كتاب الإيمان، حديث (49).

    [85] كتاب الإيمان، حديث رقم (50).

    [86] كتاب الإيمان، حديث رقم (145).

    [87] كتاب العلم، حديث رقم (80).

    [88] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان، حديث رقم (52).

    [89] أشربها: أي دخلت فيه دخولاً تاماً وألزمها، وحلت فيه محل الشراب. [النووي، شرح صحيح مسلم (2/172)].

    [90] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، حديث رقم (144).

    [91] انظر: النووي، شرح صحيح مسلم (2/173).

    [92] المرباد: هو السواد بكدرة، وقيل غير ذلك. [انظر: النووي، شرح صحيح مسلم (2/173)].

    [93] انظر: المرجع السابق.

    [94] سورة المائدة، الآية (105).

    [95] المسند بتحقيق أحمد شاكر، حديث رقم (16). وقال أحمد شاكر: "إسناده صحيح". وقال ابن كثير في تفسيره: "وقد روى هذا الحديث أصحاب السنن الأربعة، وابن حبان في صحيحه، وغيرهم من طرق كثيرة عن جماعة كثيرة، عن إسماعيل بن أبي خالد به، متصلاً مرفوعاً، ومنهم من رواه عنه به موقوفاً على الصديق، وقد رجح رفعه الدارقطني وغيره".

    [96] تفسير ابن كثير (2/110).

    [97] تفسير القرطبي (6/222، 223).

    [98] تفسير الطبري (11/148)، تحقيق محمود محمد شاكر، ومراجعة أحمد محمد شاكر. (دار المعارف بمصر).

    [99] المرجع نفسه.

    [100] جامع البيان (11/149).

    [101] الطبري، جامع البيان (11/152).

    [102] تفسير القرطبي (6/222).

    [103] أخرجه الترمذي في سننه، كتاب تفسير القرآن، حديث رقم (3058). وقال: "هذا حديث حسن غريب صحيح". وقال ابن كثير: "وكذا رواه أبو داود من طريق ابن المبارك، ورواه ابن ماجة وابن جرير وابن أبي حاتم عن عتبة بن أبي حكيم".

    [104] تفسير ابن كثير (2/110)، وقال ابن كثير: "ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع، عن أبي العالية، عن ابن مسعود في قوله: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل) الآية".

    [105] جامع البيان (11/140، 141).

    [106] الطبري، جامع البيان (11/142، 143).

    [107] تفسير القرطبي (6/222).

    [108] أخرجه بن جرير الطبري في تفسيره....

    [109] سورة البقرة، الآية (44).

    [110] سورة الصف، الآيتان (2، 3).

    [111] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، حديث رقم (3267).

    [112] تفسير ابن كثير (1/86).

    [113] ابن حجر، فتح الباري (13/53).

    [114] شرح صحيح مسلم (2/23).

    [115] تفسير ابن كثير (1/86).

    [116] سورة هود الآية (88).

    [117] تفسير ابن كثير (1/86).

    [118] تفسير القرطبي (1/249).

    [119] تفسير ابن كثير (1/86). وتفسير القرطبي (1/250).

    [120] تفسير القرطبي (1/250).

    [121] فتح الباري (13/53).

    [122] أخرجه البخاري، كتاب الطب، حديث رقم (5705).

    [123] سورة التغابن، الآية (12).

    [124] تفسير ابن كثير (4/376).

    [125] سورة النور، الآية (54).

    [126] سورة البقرة، الآية (272).

    [127] أي من فاعل المنكر.

    [128] محاسن التأويل (7/288). ط2 (دار الفكر، بيروت، 1398).

    [129] سورة آل عمران، الآية (104). وقد تقدم بعض النصوص الواردة في فضله.

    [130] سورة الأعراف، الآية (165).

    [131] سورة الجن، الآيتان (26، 27).

    [132] سورة هود الآية (36).

    [133] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر، حديث رقم (2654).

    [134] شرح صحيح مسلم (2/23).

    [135] جزء من حديث طويل أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، حديث (2473).

    [136] في صحيح مسلم أيضاً، كتاب صلاة المسافرين، حديث رقم (832).

    [137] أخرجه البخاري، كتاب الأذان، حديث رقم (631).

    [138] انظر تتمة الحديث وتخريجه في صفحة....

    [139] سورة البقرة، الآيتان (168، 169).

    [140] سورة النور، الآية (19).

    [141] سورة العنكبوت، الآية (69).

    عدد المشاهدات: 6949


    موقع "عودة ودعوة" غير مسؤول عن التصريحات المسيئة أو استخدام عبارات استفزازية أو غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسؤولية على الموقع

    لا توجد تعليقات


    اليوم: 13 صفر, 1440
    Skip Navigation Links
  • (مقطع) طريق العودة الى الله..
  • أصلح نفسك وغيرها | محمد راتب النابلسي..(مقطع)
  • وجدتُ قلبي في الصلاة..
  • عشر ذي الحجة.. المستحب والممنوع..
  • استيقظوا يا عباد الله!! | الدكتور محمد راتب النابلسي.. (مقطع)
  • ١٢ وصية لاغتنام عشر ذي الحجة..
  • الداعية في ليالٍ عشر..
  • المرجفون الجدد..
  • استغلال الاجازة الصيفية..
  • أعلى ذروة الرجولة!! | الشيخ سعد العتيق (مقطع)
  • (نشيد) كل الخرائط قد تاهت ببوصلتي..
  • لحظات الحياة الحرة..
  • ابدأ بنفسك واحتسب..
  • صيحة نذير لإيقاض الغافلين | أول ما يبدأ به كل غافل وكلنا غافلون "رقدة الغفلة" (مقطع)
  • سأقبل يا خالقي | نشيد..
  • الإعلام الخائن والإرهاب الناعم | د. محمد راتب النابلسي (مقطع)
  • (مقطع) مضت أيام رمضان..
  • (مقطع) كيف تكون مقبولًا في العشر الأواخر بإذن الله؟
  • ليلة القدر فرصة العمر | الشيخ محمود الحسنات..
  • العشر الأواخر | أ.د. ناصر بن سليمان العمر..
  • العشر الأواخر | الشيخ محمد المنجد.. (مقطع)
  • أتى رمضان | منصور السالمي.. (نشيد)
  • الصوم الهادف.. والصائم الهداف..
  • (مقطع) ما هدفك في رمضان؟.. أ.د. ناصر بن سليمان العمر..
  • شعبان.. تزكية القلوب والأعمال..
  • ماذا قبل رمضان؟
  • الاستعداد لرمضان..
  • شعبان ورفع الأعمال..
  • صفة الحجاب وفضله..
  • سبيل المخلصين.. (مقطع)
  • إلى كل من أسرف على نفسه (مقطع)
  • بين الصدِّيق والفاروق..
  • (مقطع) فوائد الصحبة الصالحة | الشيخ محمد المختار الشنقيطي..
  • (مقطع) حذارِ من احتقار الناس | أ.د. ناصر بن سليمان العمر..
      المزيد
      التصنيف:
     
    What comes to your mind when you see your colleague flashing around an replica rolex in his hand? Or even a close family friend owning a collection of some of the best timepieces such as Hublot and Panerai? Originality! But one thing’s for sure, you can never know if it’s a fake or the real thing. Replica Rolex Watches are often flagged elegant, and they propel a lot of self-worth.However, not many people can afford some of the expensive labeled watches. As a common human being, you don’t have to worry, there is a cheaper solution. replica watches