متقدم
Skip Navigation Links
Skip Navigation Links

أمة الإسلام:

!!لا نؤخر تحرير القدس والأقصــــى وهو مهدد بالهدم! بذنوبنا

(لن تعود حتى نعود!!!) الشيخ محمد جميل العقاد 

  • بطاقة: من يحمل؟!
  • بطاقة: هل السبب موجود؟!
  • العنف في الدعوة.. لا يأتي بخير..
  • الموعظة.. والطريق إلى القلوب..
  • عشر خطوات لتحبيب ابنتك في الحجاب..
  • مذبحة لشبونة.. أحد فصول محاكم التفتيش الدموية في الأندلس..
  • بطاقة: ما أحوج الأمة..
  • بطاقة: الغفلة في زمن الشدة!
  • بطاقة: التوديع الفعال لرمضان (2)
  • بطاقة: التوديع الفعال لرمضان (1)
  • بطاقة: علامة القبول..
  • بشارة لكل من أقبل على الله تعالى.. (مقطع)
  • نداء لأصحاب الخطايا | سلطان العمري.. (مقطع)
  • أروع ما قيل عن عَظَمَةِ البكاء من خشية الله | د. محمد سعود الرشيدي.. (مقطع)
  • الدعاة والإجازة الصيفية.. وقفات للتأمل..
  • بطاقة: نقض الغزل!!
  • بطاقة: خسارة..
  • وظيفة الأمة والحاجة العظيمة لها | د. بندر الشويقي.. (مقطع)
  • نشيد جمال الوجود.. (مقطع)
  • بطاقة: الطريق الوحيد..
  • بطاقة: فكيف بنا؟!
  • بطاقة: حينما اصطلحنا..
  • بطاقة: ننتصر..
  • بطاقة: طريق النصر..
  • بطاقة: حتى لا نكون السبب..
  • كيف تستطيع التغلب على ضعف همتك للعبادة في رمضان؟ | الشيخ سعد العتيق..
  • مواقع التواصل وأثرها السلبي على العلاقات الإجتماعية..
  • بطاقة: رمضان.. دفعة قوية..
  • بطاقة: يتوقعون النصر دون ثمن!!
  • بطاقة: هل نحن أهل لنصر الله؟!
    المزيد
    القنوات التي تعرض الغناء والمسلسلات المحرمة تقصد إبعاد الأمة عن التمسك الحق بالدين وإلهاء وتخدير المسلمين
    مقالات
    الرئيسية > مقالات >
    استقم كما أمرت..
    نورا عبدالغني عيتاني / شبكة الألوكة
    20 ربيع الثاني, 1437

    الحمد لله، وبعد: فاقتضت حكمة الله تعالى حين خلق الإنسان واستخلفه في أرضه، أن يسعى هذا الإنسان في الأرض جاهدًا، ويعمل فيها بهمة عالية، مقرونة بتوكل وتسليم وطاعة، ليكون جديرًا بحَمل الأمانة العظيمة التي أشفقت من حملها السموات والأرض والجبال، كما بين الله تعالى في قوله: ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ﴾ [الأحزاب: 72]؛ فالإنسان بطبعه ظلومٌ جهول،وهو ظالمٌ لنفسه قبل كل شيء؛ إذ إنه يجهل كنهها، ومع هذا يصر على التكبر والاعتداد بالنفس والبعد بها عن الحقائق الساطعة التي أراده الله أن يستدل بها، والإشارات الواضحة التي أراده الله أن يتبعها لكي يصل إلى شط الأمان، ويحقق الغاية الكبرى على أحسن وجه.

    وغالبًا ما يغتر هذا الإنسان الجهول، الذي يجهل حتمًا الغاية الأساسية من خلقه ووجوده، بعقله الذي ميزه الله به عن سائر المخلوقات، فيظن أنه قادرٌ على السير به وحده بعيدًا عن أي إرشاد أو قيادة، فيسير وحده متذبذبًا، مشتتًا، معرضًا نفسه لكل أسباب الفتن والضلال والانحراف عن السبيل الآمن والطريق القويم الذي اختاره الله له، وأرشده إلى اتباعه في شرعته الواضحة الكاملة، النضَّاحة بالحكمة والعلم المطلق الذي لا يحيط به شيء، وبذا يضل الإنسان، ويفسد في الأرض بظلمه وبجهله الذي يصور له أنه صاحب المشيئة التامة والقدرة المطلقة، والعلم الواسع الذي بوسعه أن يحيط بكل شيء!

    وحقيقة الأمر: أن هذا الإنسان مهما بلغ شأنه، ومهما لامس بعلومه حدود اللامعقول، لا يملك آلية التحكم في شيء، ولا القدرة على تعلم أي شيء والاستفادة منه إلا بمشيئة الخالق العظيم، الحكيم العليم، وهو جاهلٌ لتلك الحقيقة للأسف، مع أنه إن تأمل قليلًا وتدبر في آيات هذا الكون الساحر والعجيب وخلقه، بل ولو أنه تأمل فقط في نفسه المعتد بها، لو أنه فقط تأمل خلقها، لعرف الإجابة دون أي شك، ولوصل إلى الإجابة القاطعة، والحقيقة المؤكدة التي لا لبس فيها ولا غموض، ألا وهي أن في الكون قوة أقوى وأعظم من كل هذا العلم العجيب، قوة تسبق العلم وتحتويه وتتحكم به، فتخفيه أو تعلنه قدر ما شاءت وحينما شاءت، وبأي مكان شاءت، وتلك القوة بالطبع هي قوة الله الذي لا حول ولا قوة ولا قدرة حقيقية إلا به؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ [البقرة: 255].

    من هذا المنطلق - ومن الضرورة بمكان - فإن الله هو القادر الأوحد على وضع المنهج الأكمل والأسلم والأمثل الذي يضمن فلاح الإنسان وسلامته، ووصوله نحو غايته، وهذا بالطبعأمر مفروغ منه، فمن البديهي والمنطقي جدًّا أن يكون صاحب الشيء، أو مالكه، هو الأعلم بخصائصه وأسراره؛ لأنه هو الأكثر اطلاعًا عليه، والأكثر قربًا منه، فكيف بصانع هذا الشيء؟! وكيف بمن خلقه وسوَّاه وركَّبه في الصورة التي شاء لها أن تكون؟! لكن الإنسان يصر مع هذا كله على جهله واغتراره، ويصر على الإعراض عن المنهج الإلهي الفطري، وبالتالي فهو يصر على إفساد الحياة، وتدمير نظامها المعقد المحبوك بكل دقة وإحكام من لدن عليم خبير، عبر تخطي قوانين هذا النظام الفطري الطبيعي المتوازن، متمثلًا بتدمير الإنسان وخصائصه الإنسانية الفطرية التي فطره الله عليها، والتي من المحال أن تتبدل دون أن تأتي بنتائج مروعة وفساد في الأرض بالغ الأثر! ولا يخفى على ذي لب وبصيرة أن ذاك التفلت، بل والانفلات الخطير، من كل القيود الدينية، والشرائع الروحانية، لن يؤدي إلا إلى مزيد من التدهور والفساد وفقدان التوازن في الأرض، ونقصان كل مقومات العيش السليم والحياة الطبيعية فيها، وهذا ما نراه حاصلًا فعليًّا، وممثلًا على أرض الواقع، بالحروب وبالمجاعات المتفشية وانتشار الأمراض والأوبئة العجيبة والغريبة التي لم نكن نسمع بها من قبل، كالسرطان والسيدا.. إلخ، إذًا، فإن كل هذا الفساد والاختلال في الموازين سببه عائد إلى البُعد عن الشِّرعة والميزان العادل والقويم الذي وضعه الله، وراجع إلى الطغيان أو التخسير فيه.

    وهنا يطرح السؤال الكبير نفسه: كيف السبيل إلى إعادة الميزان إلى توازنه الطبيعي، وإعادة الحياة إلى رشدها وصلاحها؟ والإجابة: انطلاقًا مما سبق، وبناءً عليه، هذا الأمر لا يتحقق إلا بالعودة إلى الله، خالق الفطرة السوية ومسويها، واللجوء إلى شرعته القويمة لتحسين الفطرة وإعادتها إلى طبيعتها التي كانت عليها، وعليه، فإن الإجابة قابعة حتمًا في كتاب الله بكل وضوح في قوله جل من قائل: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 30]، وبقوله أيضًا: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [هود: 112]، والاستقامة تعني الالتزام بأوامر الله ونواهيه، وعدم تخطيها، ولعل من أجمل تعاريف الاستقامة ما جاء في قول الصحابي الجليل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين قال: "الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي، ولا تروغ روغان الثعلب"، فتستقيم على ما أمرك الله به في كتابه الكريم وسنة نبيه الأمين، بغير زيادة ولا نقصان؛ أي: بلا طغيان ولا تخسير، وتطبق بذلك قوله جل من قائل: ﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ * وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ ﴾ [الرحمن: 7 - 9].

    وفي حصيلة الأمر، وما هو محقق في الواقع الذي نعيشه: أن الإنسان الجهول الظلوم، الذي لا يستقيم على أمر الله، لا يمكن له أن يحمل الأمانة، ولا أن يكون الخليفة الذي أراد الله له أن يكون، وأن يصلح في الأرض؛ لأنه ببساطة لم يسِرْ كما أراد الله، وبالتالي فإنه واقع حتمًا في مشيئة الله وشريعته، وإن ذلك القانون الذي يحاول جاهدًا الخروج عليه - وعبثًا يحاول - لا شك أنه سيسري عليه ابتداءً وانتهاءً؛ لأنه محكوم به قبل أن يولد ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ [الروم: 30]، فلا مجال هنا لأي تبديل أو تغيير، هذا هو الأصل والصواب والوجهة التي ينبغي أن نوجه نحوها وجوهنا؛ لذا فالأولى بالإنسان أن يتبع هذا القانون بملء إرادته؛ لأنه الأصلح له والأنسب، ولأنه يكفل له الفلاح والسعادة في الدارين، ويهيئ له الدرب للخروج من ظلمات الجهل، بطرقه المتعددة المتشعبة، إلى منبع النور الأوحد الذي لا يخبو ولا ينضب؛ قال تعالى: ﴿ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [المائدة: 15، 16].

    لو أمعنَّا التدبر في هذه الآية، أو في غيرها من الآيات التي تتحدث عن القرآن وما جاء به من نور - لوجدنا أن الوصول إلى هذا النور يتطلب شرطًا أساسيًّا لا يمكن أن تتحقق الهداية دونه، وفي هذا الشرط خاصة يكمن سر النجاة والفلاح، ويتلقى فيض الأنوار.

    وهذا السر حقيقةً يكمن في ثبوت الإيمان ورسوخه في القلب حد اليقين، والتسليم الكامل لكل ما جاء في الكتاب المبين الذي نزل به الروح الأمين على قلب النبي الصادق ليكون من المؤمنين، ولنكون على أثره كذلك، إذًا فشرط تحقيق الهداية بالقرآن يحتاج للإيمان بالله والتسليم المطلق له، واتباع منهجه الذي ارتضاه، وهذا الشرط - أي: ثبوت الإيمان - يستلزم تعريض القلب المباشر لكلام الله، وجعله يتلقى فيوض الحكمة الربانية بتجرد عن كل هوًى أو رأي خاص مسبق أو لاحق لا يواكب منهج القرآن أو لا يراعي فهم النبي (صلى الله عليه وسلم) وسنته.

    ولله الحكمة البالغة، فالله عز وجل كان قادرًا أن ينزل الكتاب علينا جميعًا، مباشرةً دون إرسال رسول، لكن الحكمة الربانية اقتضت أن يكون هناك رسول تنطبق عليه مواصفات العبد المخلص المتجرد، القابل قلبه للإيمان، ليكون نموذجًا يحتذي به كل مسلم لم يدخل الإيمان قلبه بعد، فيصل إلى الهداية بعد تدبر القرآن وسلوك طريق الرسول عليه الصلاة والسلام وسنته المهداة التي لا ينطق فيها عن الهوى؛ إذ إنها هي الأخرى من الوحي أيضًا.

    إذًا، لا يمكن أن يكون القرآن لنا نورًا وضياءً وطريقًا للهداية إلا حين يصبح فهمنا له كفهم الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام، كما فهَّمه الله وعلَّمه، ففهم الرسول (صلى الله عليه وسلم) ومنهجه التطبيقي الذي يترجم منهج القرآن ويوضح ما خفي من آياته عن أفهامنا، هو السبيل الذي أراد الله لنا أن نسلكه، وينهانا الله تعالى في كتابه الكريم عن سلوك سبيل أخرى غيره محذرًا في قوله: ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [الأنعام: 153].

    لكن في واقع الأمر هذا لا يحصل، وذلك الفهم لا يتحقق إلا عند قلة من الناس الذين قدر الله لهم الهداية والإيمان الثابت؛ لأنهم سلَّموا لأوامره تسليمًا، واتبعوا منهج رسوله، والسبب في ذلك أن أكثر الناس يتبعون الهوى فيضلون، ويفضلون السير متفرقين، كل حسب رأيه وفهمه وهواه، فتتعدد الطرق، وتتضارب الآراء وتتناقض، ويقع الخلاف، وينتشر الضلال والمضلون، ويتسللون عبر منافذ الثغرات التي فتحتها التعددات المتناقضة والأفهام المتشرذمة غير المحصورة ضمن شروط أو حدود، فيعم الفساد.

    ولعل أخطر ما نشهده في أيامنا هذه ظهور بعض المضلين الجاهلين الذين يسمون أنفسهم بالمفكرين الإسلاميين المجددين، والمفسرين القرآنيين المجتهدين، ممن يفتون بالرأي على غير علم، وأغلب هؤلاء من القرآنيين، الذين ينكرون السنة، ويحتجون بالقرآن وحده بحسب أفهامهم الضيقة التي لا تتجاوز دائرة أهوائهم، وحدود عقولهم وأفكارهم الفاسدة الملوثة بعفن الأهواء والشبهات، وهم في الحقيقة أبعدُ ما يكونون عن منهج القرآن! ولعل أكثر ما يجذب الناس للسير خلف دعاة الفكر الضال المشوب، والتنوير المزيف المكذوب، هو دعواهم للتجديد والتطوير والاجتهاد الحر، والإتيان بتفاسير جديدة، وفتاوى عصرية متجددة تلائم العصر وتواكبه - بحسب زعمهم - وتغريرهم الناس بتسييد العقل، كما يفعل الغربيون الضالون، وجعله المسؤول الوحيد المخول للحكم على النصوص والتشريعات، وتبين الصحيح منها أو الفاسد، بغض النظر عن أي علوم أو دراسات سابقة ثابتة، ضاربين بالعلم الصحيح والتراث الثمين عرض الحائط، ظانين أن من شأن هذا أن يبني حضارةً، ويؤسس لتقدم يضاهي تقدم الغرب ونهضته المادية، ناسين أو متناسين أن الحضارة لا تبنى بالعقل وحده، وأنها تحتاج إلى تضافر العناصر المتكاملة الثلاثة وتلاقحها فيما بينها لكي تنمو وتتوازن: الجسم والعقل والروح، والعنصر الأخير خاصة هو ما كانت ولا زالت تفتقر إليه حضارة الغرب منذ صعودها، وهو العنصر نفسه الذي سيؤدي فقدانه حتمًا - عاجلًا أم آجلًا - إلى انحلالها وتفتتها وضياعها، كما أنه العنصر نفسه الذي أدى فقدانه واضمحلاله - أو لنقُلْ: نُدْرته - عندنا إلى سقوطنا تلك السقطة الرهيبة، وسقوط حضارتنا التي شهدت لها العصور والأجيال، فما بُعدنا عن الحضارة وتخلفنا إلا بسبب تهاوننا وبعدنا عن فهم القرآن الصحيح، وجرينا خلف العقل والمادة فقط، فكان العقاب أن فقدنا الاثنين: الروح والعقل، وصرنا مجردين من كل شيء إلا القشور والتقليد! هربنا من الاتباع السليم وتركنا الاستفادة من تراثنا المفيد خشية التكرار الأعمى والتقليد، فوقعنا في فخ التقليد الأعمى لكل ما هو ضار وبغيض لمجرد كونه نتاج فكر جديد، وبتنا في الحضيض!

    فلا يمكن أن يتحول فهمنا للقرآن إلى هداية وفعل حضاري، إلا حين نعود إلى المنهج الصحيح، والثوابت الأصيلة التي ارتضاها الله لنا، والتي حثنا في كثير من آياته على اتباعها والتمسك بها، فإننا حين نتبع القرآن وفق المنهج الصحيح، منهج الرسول النموذجي، ندرك أنه نزل ناموسًا للحياة بأسرها نسير عليه ونستدل به؛ لأنه دليلنا لتحقيق التوازن في شتى الأمور، ففيه قوانين لنشر العدل المطلق، وإحقاق الحق، ودحض الباطل، وإرساء الأمن، وتحقيق العدالة الاجتماعية عن طريق التكافل والتعاون بين المؤمنين، والتناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومنع الظلم، ونصرة المظلومين، وإصلاح الأرض وتعميرها، وإقامة الوزن بالقسط كما أراد الله، دون طغيان أو تخسير، فنحفظ بهذا الميزان الذي وضعه الله في الأرض حين رفع السماء بغير عمد.

    ولا يكفي الإيمان الواقر في القلب للوصول بالمسلم نحو الغاية الكبرى، بل ينبغي عليه تصديق إيمانه بالعمل وبالواقع المعيش، عبر حمل هم الدعوة ونشرها وتبليغها وإيصالها إلى كل الناس، ولا ينبغي للمسلم المستقيم أن ينعزل للعبادة في المسجد، ويعتزل الحياة وشؤونها والبناء فيها، بل عليه الإصلاح قدر المستطاع، وعلى شتى الأصعدة، انطلاقًا من أسس دينه ومقوماته وأعمدته، وعليه، تبقى العبادة هي الجوهر والأساس الذي إن صلح صلحت معه كل المقاصد الأخرى، فإن أصلح المسلم قلبه بالعبادة والإيمان صلح جسده، وبالتالي صلحت معه الدنيا بأكملها؛ لأنه إنما يسعى ويجدُّ بهذا الجسد الذي يترأسه القلب، ويحدد صلاح أعماله أو فسادها، كما هو مبيَّنٌ في قول رسولنا الكريم: ((ألا وإن في الجسد مضغةً إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب))؛ [أخرجه البخاري في الصحيح].

    والسؤال: كيف يمكن تحقيق هذا على أرض الواقع؟ كيف يمكن أن يتحول فهمنا للقرآن إلى هداية وفعل حضاري؟ وبمعنًى آخر: كيف يمكن للإسلام أن يصبح مؤثرًا فعليًّا وحضاريًّا بين الأمم والشعوب، وهو الذي يفوق الحضارة في تعريفها وحقيقتها سعةً وشموليةً وكمالًا؟

    والإجابة: يمكن تحقيق ذلك عبر التجسيد الحي للإسلام في جسد المجتمع المتحرك، وعبر تمثيل المسلمين الصحيح لقِيَمِ دينهم القويم وتعاليمه السامية في مجتمع حقيقي منتج فاعل في شتى الميادين، دينيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وتربويًّا وفكريًّا، صناعيًّا وتجاريًّا وعلميًّا وفنيًّا - وأعني بهذا الفن الإسلامي الأصيل المعنى بالجمال والإبداع الذي لا يتخطى حدود الدين، بل يستمد منه ومن قيمه جماليته وروعته - وإلى ما هنالك من ميادين متعددة ومتشعبة يحتاجها المجتمع الإسلامي المتوازن المتكامل لكي يحيا وينتج ويبهر ويجذب أنظار الأمم والحضارات الأخرى إليه، فتعجب وتثني وتتأثر وتتغير وتتشرب من قيمه الأخلاقية السمحة ومبادئه الروحانية السامية التي لا تنفصل عن الإبداع والتميز والابتكار والكشف بأي شكل من الأشكال، بل تتسق معها وتتكامل لتنتج منهجًا قويمًا للحياة، متكاملًا شاملًا، يفوق الحضارة ويحتويها، منهجًا متوازنًا متسقًا، جوهره الروح، وساعده العقل، وقوامه الإنسان، وغايته الأولى والأخيرة مرضاة الرحمن، وتحقيق إرادته ومشيئته، بجعل الأرض مكانًا أفضل للعيش والسعي الدؤوب في مسالك الخير ومدارج التعارف والتآلف والائتلاف، وتبادل الخبرات والعلوم والمنافع ضمن أطر سليمة بينة لا لبس فيها ولا تدليس.

    وبهذا نكون مجتمعًا يفسر قوله تعالى بوضوح: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [البقرة: 143].

    نسأل الله أن يجعلنا من أهل ذاك المجتمع الإسلامي الحقيقي الحي المفتقد، الذي طال زمن انتظاره، وأن يجعلنا من أبنائه، والساعين دومًا لجعله يكبر ويتوسع ويتمدد حتى يملأ الدنيا بأسرها حضارةً ورقيًّا؛ فاللهم هيئ لنا ذلك الجيل وأولئك الشباب الخلص الأتقياء الأنقياء الأقوياء الأذكياء، الذين ستعود النهضة بإذن الله لتُبنى على سواعدهم وعقولهم وأفئدتهم معًا، فتعيد لنا معها أمجاد الإسلام الذي إن ولَّى أتباعُه المستقيمون عن هداه ولَّى!

    عدد المشاهدات: 3468


    موقع "عودة ودعوة" غير مسؤول عن التصريحات المسيئة أو استخدام عبارات استفزازية أو غير لائقة، وتصريحات الزوار تظل ملكًا لأصحابها دون أي مسؤولية على الموقع

    لا توجد تعليقات


    اليوم: 19 ذو الحجة, 1440
    Skip Navigation Links
  • عشر خطوات لتحبيب ابنتك في الحجاب..
  • أروع ما قيل عن عَظَمَةِ البكاء من خشية الله | د. محمد سعود الرشيدي.. (مقطع)
  • وظيفة الأمة والحاجة العظيمة لها | د. بندر الشويقي.. (مقطع)
  • نشيد جمال الوجود.. (مقطع)
  • كيف تستطيع التغلب على ضعف همتك للعبادة في رمضان؟ | الشيخ سعد العتيق..
  • مواقع التواصل وأثرها السلبي على العلاقات الإجتماعية..
  • وقتان شريفان في رمضان لا تفوتهما | د. خالد بن عبدالرحمن الشايع (مقطع)..
  • احذر وإياك الوقوع في هذه الأخطاء في شهر رمضان | الشيخ سعد العتيق (مقطع)..
  • حي على جنات عدن | الشيخ محمد صالح المنجد (مقطع)..
  • السلف وحرصهم على إخفاء العمل (سر النجاة) | الشيخ خالد السبت (مقطع)..
  • كيف نستعد لشهر رمضان.. وصايا قيمة | الشيخ سعد العتيق.. (مقطع)
  • الاستعداد لشهر رمضان | د. محمد راتب النابلسي.. (مقطع)
  • عبادات وتصفيات في شعبان | مقطع من خطبة عطرة للشيخ صالح المنجد..
  • مقطع: شهر شعبان.. والخيرات المدخرات | د. عبدالله العسكر..
  • ومضات تربوية وسلوكية.. (17)
  • ومضات تربوية وسلوكية.. (16)
  • ومضات تربوية وسلوكية.. (15)
  • وقفة محاسبة: مخافة الله وخشيته || حال الصحابة وحالنا المرير..(مقطع)
  • شيء يجب عليك أن تعرفه | مقطع..
  • وقفات مع مجزرة مسجدي نيوزيلندا | د. نايف العجمي.. (مقطع)
  • تأملات في سورة الكهف..
  • فإنك بأعيننا.. لكي تكون في المعية الإلهية || الدكتور محمد سعود الرشيدي.. (مقطع)
  • أسباب إبتعد عنها هى سبب شعورك بالاكتئاب والحزن والضيق والخوف والمرض | د. محمد راتب النابلسي (مقطع)
  • كن عزيزا بالله || د. محمد راتب النابلسي (مقطع)
  • استيقظ.. ولا تخف شيء إلا الله | د. محمد راتب النابلسي.. (مقطع)
  • جنة القرب من الله || د. محمد راتب النابلسي.. (مقطع)
  • دعك من الدنيا فإنها فانية | الشيخ محمد حسين يعقوب.. (مقطع)
  • السر الرباني لاستجابة دعاءك | د. محمد سعود الرشيدي (مقطع)..
  • صحح رؤيتك | الشيخ محمد راتب النابلسي.. (مقطع)
  • أتريد أن يقبل الله توبتك ويغفر الله جميع ذنوبك | للشيخ محمد راتب النابلسي..
  • علامات حب الله لك | للشيخ عمر عبدالكافى.. (مقطع)
  • أبشروا إن رحمة الله واسعة | عبدالمحسن الأحمد.. (مقطع)
  • كيف تقنع ملحدًا بالإسلام في 3 خطوات؟ (مقطع)
  • ارجع إلى الله إن الله غفور رحيم.. (مقطع)
      المزيد
      التصنيف:
     
    What comes to your mind when you see your colleague flashing around an replica rolex in his hand? Or even a close family friend owning a collection of some of the best timepieces such as Hublot and Panerai? Originality! But one thing’s for sure, you can never know if it’s a fake or the real thing. Replica Rolex Watches are often flagged elegant, and they propel a lot of self-worth.However, not many people can afford some of the expensive labeled watches. As a common human being, you don’t have to worry, there is a cheaper solution. replica watches